هاجس يتمسّك بأظافره الطويلة
في نقطة تائهة من اليوم، تداهمني الحاجة للكتابة كنوبة صداع نصفي. تأخذني بلا إنذار، وبلا سبب واضح، نحو غرفة مغلقة في داخلي. ولا أفهم كيف أصبحت هناك، إلا حين أنتهي من النص، فينهض من بين يدي، يدلني هو على مكان ولادته، يأخذني من يدي كأم حانية، يسحبني خلفه ويحدثني عني بلا حرج، يمسح جبهتي ويبتسم لي أحياناً. هكذا صرت أعرف حين أتجه نحو البياض، أنني حين أنتهي قد أغلق جرحاً مفتوحاً، قد أفلح بأن أخيط سؤالاً مالحاً، ينفتح كالشرخ في روحي. وأحياناً، أكتب لأهرب، من هاجس يتمسك فيّ بأظافره الطويلة، كشبح في العتمة. ومن وساوس تضرب في رأسي بلا كلل، كطبول أفريقية. وأحياناً أكتب حين أشعر بأنني قليلة، بأن يديّ قليلتان. بأن قلبي قليل، بأن حضني قليل، بأن "ما بوسعي" لم يعد كافياً، بأنني لم أعد كافية. أكتب لأقبض على ضعفي، لأضع أسماءً على المخاوف التي تتفشى فيّ، كبقع الزيت. وأكتب أيضاً، لأواجه وحشاً اسمه المزاج، يهاجمني وأنا مسالمة. يدهس راياتي البيض، يكسر أغراضي، يمزق أوراقي، ويشوه وجهي. أواجهه بالكلمات، أروّض قسوته برقة استعارة، كما نذوب قطعة خبز جاف في الحليب الساخن. وأكتب حين يخذلني الصمت، وحين يخذلني الكلام أيضاً. أكتب حين يموت صوتي، وحين يولد ميتاً كذلك. أكتب حين يكبر الشعور، فلا يتسع له جسدي، يُشظّيني، كما يفعل طفل، وهو يغرز أظافره في بالونة ملونة، بلا اهتمام. وأكتب أيضاً، حين يذوي الشعور، أقاوم انطفائي بقصيدة تشتعل بهدوء، كبقية نار في الرماد. أكتب وأكتب وأكتب، بعبثية المنساق خلف قدره. أجد الكتابة تنتظرني في كل مفترق. لا أعرف دوماً، ما أنتظره منها. ولا أعرف بأي شيء أواجهها، هي التي بها أواجه كل شيء. لا أملك سوى الرضوخ لها، مع أنني أعرف الثمن جيداً. أعرف أي صرير يحدث داخلي، يفتح ذاك الباب الذي يطل على نفسي. وأعرف أي وتد يدق في قلبي، في كل مرة، أدفن فيها، شعوراً ما في قصيدة. لكنني أعرف أيضاً، أن لا شيء يضاهي الرضا الذي أصل إليه، حين أخرج نصاً إلى الضوء. ولا راحة تضاهي تلك الراحة التي تغمرني -للحظات- حين أشعر بخفة من فرد ذراعيه للريح، ثم طار خفيفاً، من كلمات، كانت تتكدس فوق جلده كركام صخري…
الكسر الطفيف في الوعاء
الكسر الطفيف في الوعاء،
يفتح لي طريقاً نحو غرفة معتمة داخلي.
الوعاء ما زال متماسكاً،
لكنني أعرف أن لمسة خفيفة مني الآن، قد تفتته الى قطع صغيرة.
أعرف ذلك لأن في قلبي وعاء مشابِه،
ووحدي أعرف الكسور التي تخترق تماسكه الظاهر.
الأمر يشبه خبزة جافة، تبدو عادية،
إنما يكفي أن تفركها قليلاً بين الإبهام والسبابة،
حتى تصير فتاتاً.
إصبعي يلاحق الكسر،
كأنه يرسم على ندى شباك هذه الغرفة المعتمة، قلباً ووجوهاً ضاحكة،
كتلك التي أرسمها على الزجاج البارد،
حين أودّع ابني كل يوم في مدرسته.
منذ اليوم الذي رآني فيه الأطفال أفعل هذا،
صاروا يريدون جميعهم قلوباً ووجوهاً ضاحكة، عند الوداع.
تقف الأمهات، ينفخن على الزجاج حتى يغطيه الندى، وتختفي خلفه العيون الصغيرة،
ثم يرسمن رسومات عن الحب ويغادرن.
أراهُنَّ، وأشعر بأنني اخترعت طقساً للحبّ. الصورة تجعلني أبتسم، لكن، إصبعي يلاحق الكسر، كأنه طريق نحو الجحيم.
الحبّ لا يكفي لترميم كسورنا أحياناً،
أكبر الشروخ تتركها فينا العواطف.
والوداع حين نكبر، يكسرنا، لا كشرخٍ طفيف في وعاء،
بل كما ينكسر صحن إلى نصفين متساويين.
في غرفتي المعتمة، عواطف منسيّة، دُفِنَت هنا، لأن الهشاشة لا تتناسب دوماً مع الحياة.
هنا أيضاً، سدود كثيرة، عمّرّتُها حجراً حجراً، بلا علمٍ من أحد.
أحياناً حتى بلا علمٍ منّي،
هناك معارك نخوضها سرّاً، حتى يبدو أن من يخوضها ليست نفسنا الأساسية.
وشيء منّي، كان يريد أن يقاوم النهر، لأن هاويتي الأخيرة لم تكن قد تشكلت كاملة بعد.
إصبعي يروح ويجيء على الشرخ الظاهر، كمن يذرع طريقاً لا فكرة لديه عن آخره.
أنظر إلى الكسر في الوعاء أحياناً في الصباح،
وفيروز تغني "لُمَّني من وحشة العمر" فأتخيله طريقاً جبلياً تحيطه أزهار الوزّال.
لا بدّ أن جروح غرفتها المعتمة تكون نائمة بسلام، حين يصيب النقاء نظرتنا للأشياء هكذا.
دواخلنا ليست ثابتة، فنحن لم نتحجّر بعد.
دواخلنا تتحرّك ككثبان رملية، وأحياناً كوَترِ ربابة، أو كالهواء يدخل ويخرج من ثقوب ناي.
أنظر إلى الكسر في المساء، فيبدو طريقاً موحشاً وأسمع صوت ذئبٍ يعوي على القمر من بعيد.
"يا حزني السعيد" تقول فيروز، فيبدو الكسر الآن في حنجرتي.
للكسور في الحنجرة مذاق الرمال، وماء البحر مالح في الكسور.
أما الآن، فأمرر إصبعي على الكسر، وأراه متاهة.
لا موسيقى إلا الصمت الآخذ بالتفشي في جسدي.
يلتف الكسر هناك في الوسط، ويتعرّج ويتفرّع، يتمدّد كالقلق أو كالشّك حين يلحّ.
في المتاهة، يبدو جسدي أطول، كأنني دخلتُ بعداً آخر للجاذبية.
تتكسّر ملامحي هناك، وتنكمش أصابعي، لكنني، أعرف أننا لا نستطيع أن نقبض على الدوار.
تبتلعني المتاهة، ويصير الخوف حبلاً يلتفّ في المدى القليل بين نظرتي والكسر في الوعاء على الطاولة أمامي.
تدور بي المتاهة، ولا شيء أتشبث به.
في المتاهة، تبدو محاولاتي للخروج، كمن يحاول لمس انعكاس في مرآة، أو فصل ظل عن جسده.
ومع أنني كنتُ أظن أن النسيان ممكن، يبدو لي الآن، من هنا، أنه لا مفرّ من الوحشة.
في الفراغ الذي يحيط بجسدي، وتحت وطأة القوة التي تشدني الى المجهول، يقين غريب يلفني.
يقين يهمس في أذني بأن العدّاد لا يرجع الى الوراء.
والحكاية لا تعود الى بداية.
وأن الوردة حين تذبل، لن يعيدها الى الحياة أن تنسى العطش.
من تاه مرّة، صار غريباً عن الدروب، وسيتوه، لأن كل الدروب من حوله ستصير متاهات.
تدور بي الأفكار،
أتخبّط كسمكة أخرجوها من الماء، وتركوها مرمية على خشب قارب قديم.
ويبدو الوصول إلى أي نهاية شيئاً عصيّاً.
العواطف التي نسيتها تصير في المتاهة تيارات،
تسحبني ببطء.
وهاويتي تبدو كاملة الآن...
لمسة خفيفة كانت كافية فعلاً ليتهشم هذا الوعاء إلى ألف قطعة.
غابة كان قلبي
بي وجعُ الأراضي المُحْترِقة
حين تنطفئُ النار
بي ذاكرتُها المُشتعلة،
تعبُ أحلامِها بخُضرةٍ لم تَعُد ممكنة،
بي سكونُها،
سكونُ الأشياءِ في نهايةِ الأشياء،
سكونُ العَدَمِ.
وبي،
مثل ما بها،
الحرارةُ تتسلَّلُ في خلايا التّرابِ،
وسخونةُ الدماءِ تحت الجلدِ،
الرمادُ يغطي سطحَها
وملمسُه على وجهي
في حنجرتي،
يصير ملحاً ورمالاً.
وبي دخانٌ
وريحٌ
وغبارٌ،
وبي أغصانٌ مُشَلّعة
وبيوتٌ هجرتْها العصافيرُ،
وغيمةٌ،
كلما مرّت من فوقي،
شقّ جلدي برعمُ سنبلةٍ
وُعِدَت بالمطر،
وغيمةٌ
لا تمطر إلا شهباً من الصّورِ القديمةِ،
فتسيلُ السنابلُ على جسدي
كما يذوبُ الحبُّ في النّهاياتِ الحزينة.
وبي يأسٌ لا نهائي،
يزيدُ وينقصُ،
كاللهفةِ في القصص الطويلة.
وبي حيرة الدهشة،
حين يصيبُها
عطبٌ مجهول.
وبي أملٌ،
"أريد أن أودّعه"
خيالاتٌ لا تنتهي عن العُشب،
بقايا دوخة اللّغةِ القديمة،
وهوسُ استعادةِ الأصوات والروائح
من الذاكرة،
صورةٌ مغبّشة لنهر،
كان يشُقُّ روحي نصفين،
ولضفافٍ
صارت أرصفةً مهجورة.
وبي هذا اللحنُ العميقُ
في خلفية حياتي،
تعزفه الأشجارُ اليابسةُ الآن
في غابةٍ،
كانت
قلبي.