"نوادر الملا نصر الدين الصغرى" لسحبان مروة.. الدرويش في الحضرة
23-06-11
الورشة - فريق التحرير

أبرُّهُ من عَطَايَاهُ

 

أمّا بعد، فيقول أبو جعفر، عبد الله بن أحمد الكتبي: رافقت الملّا نصر الدين، برهةً طويلةً، في حِلّه وترحاله، وكان ينظر إليّ منكبّاً على طوامير لي،  أدوّن فيها ما سمعته منه وعنه، فيهزّ رأسه مشفقاً، ويقول لي: "الحرف حقّةٌ تختزن الهواء. وهذا الذي تدوّن إنَّما هو ريحٌ أو هراءٌ" فأجبته: "إنّ من حقّ الآتين بعدنا، علينا، أن ندوّن لهم أخباره وأقواله، ففيها عبرٌ لمن أراد الاعتبار، وفيها هدىً لمن أراد الهداية، وفيها تفكهةٌ، لمن أراد الترويح عن نفسه والتأسّي" . فأجابني قائلاً: "لو كان ما تقول صحيحاً، لما اختلفت الملائكة إلى هذه الأرض، ولا تجشّم رجلٌ عناء الصعود إلى المئذنة خمساً في اليوم، ولا سمعت جرساً يقرع من على منارة كنيسةٍ، بل لما رأيت أحداً يُقتَل في سبيل الله،  بيد قاتلٍ يَقْتلُ في سبيل الله أيضاً، ولكان الإنسان على أحسن هيئةٍ وأكمل مثالٍ؛ حيواناً يسعى على ثنتين؛ يأكل كفايته، وينزو ليحفظ النسلّ، ولا يعدو على حيوانٍ فيقتله، ليبيع حيواناً آخر، شيئاً من التوابل والأبازير، ولا يملك من الأرض إلّا ما وطئته أقدامه أو ما ارتاح له جنبه حتى يقوم، ولا اشتغل ترجماناً للحضرة التي لا تُرى، ولأنفق الوقت المتاح له، على أحسن وأروح وجهٍ...".  

 

إنّني على علمٍ ويقينٍ بأنَّ الملّا رجلٌ لا ينطق عن هوىً، وأنّه يصيب المحزّ في كلِّ قولٍ وفعلٍ، ولكنّني وأنا ابن آدم مبتلىً بالرجاء والأمل فلعلّ وعسى.

 

قيل الكثير في نسب الملّا ومولده ومسقط رأسه، واختلفت الآراء في ذلك، ولكنّني أتجاوز ذلك كلَّه، ولا آبه به ولا له، بل أقول إنَّ الملّا كالمزنة نعمةٌ من السماء، لا تحدّ بمكانٍ ولا زمانٍ، ولكنّ لكلٍّ الحقّ في الادّعاء بأنَّها رسالة رحمةٍ من الخالق له.

رحم الله مولاي الملّا، فلقد عرفَنا، فهل سنعرفه؟!

 

▪▪▪

 

باسط تيمور الأعرج الملّا وسأله وهو يمسّـد شاربيه لذّةً واكتفاءً كقطٍّ مدلّلٍ:

"هل تسنّى لك أن تضاجع سوداء يا ملّا؟".

"بلى!".

"فكيف وجدت سخونتها؟".

"كمثل شمعةٍ تضيء في العتمة، وتذوب وتذوب وتذوب حتى يصير قلبك مثل فانوس رمضان!".

 

▪▪▪

 

أثنــى الملّا نصر الدين على رجــلٍ، ينبزه أهل آق شهر بالجنون، فقال فيه:

"إنّه رجلٌ عاقلٌ!".

فسأله المستمعون والدهشة قد فغرت أفواههم:

"هذا؟... أنت يا ملّا تقول في هذا أنه عاقل؟!".

فأجابهم الملّا:

"بلى فهو يعي جنونه".

 

▪▪▪

 

سألت محظيّة تيمورلنك، وكانت في حضنه، الملّا نصر الدين، وكان في مجلس تيمورلنك الحميم ذاك:

"أسعيدٌ أنت يا ملّا؟".

فهزَّ رأسه بالإيجاب فسألته المحظيّة ثانيةً:

"وأين تكمن سعادتك؟".

فقال الملّا:

"إنّها في فؤاد حبيبي".

 

▪▪▪

 

        

"ما أطيب الشعر يا ملّا"، سأل رجلٌ عجوزٌ الملّا فقال:

"ذاك الذي يرى ويصغي ويحاور".

" أوَ ثمّة شعرٌ ليس كذلك؟"، أعاد العجوز السؤال مستفهماً فقال الملّا:

"بلى ذاك الذي يضجّ ويخاطب ويبرق ويرسل إبلاً من ألفاظٍ في قوافل تجوب صحارى قاحلةٍ اعتدنا تسميتها أذواقاً".

 

 ▪▪▪

 

             

سـأل رجلٌ حديث عهدٍ بالزواج الملّا النصيحة، فزوجه ليست سعيدةً على ما يحسُّ ويشعر، فقال له الملّا:

"لا تكن كبريد السلطان؛ ينزل في الخان ويتركه بعد أن يعلف برذونه. ولكن مُرَّ بين النهرين مرَّ السحاب، واجر بها إلى مستقرٍ لها، ورافقها حين تتركها، وانظر في مقلتيها حتى إذا رأيت العشب وقد نجم، والثريا وقد تحوّلت ماءً على زجاجٍ دافئٍ، اِنقلب على خيرٍ فهي هو".

 

▪▪▪

 

"ما لي لا أبكي وما لعيني لا تعرف الدمع يا ملّا؟"، سأل تيمور الأعرج الملّا.

"ذاك لأنَّ فؤادك قد نسي كيف يضحك"، أجابه الملّا.

 

▪▪▪

              

"أفدني يا جناب الملّا - سأل رجلٌ من قونية الملّا نصر الدين - لماذا عصى إبليس ربّه وما سجد لآدم؟ فهل كان ذلك غباءً منه أم ماذا؟".

"بل جهلاً منه بالممانعة في بلاد الشام، وهي المصانعة والموادعة والمواطأة والوطء أيضاً، ولكن من وراء حجابٍ!"، أجابه الملّا.

               

▪▪▪

 

 

 

 

سأل رجلٌ الملّا في ليلة أنسٍ فقال له:

"ما صفة الفرج الذي تهوى يا ملّا؟".

"هلالٌ مضيءٌ يلثغ حين يلفظ حرف الراء ويفأفئ عند الوداع"، أجابه الملّا.

 

▪▪▪

             

 

كان الحديث ذات يومٍ، في حلقة مسجد آق شهر، في مسألة القصّاص والمحدثين والعدل والتجريح، وكان الملّا نصر الدين ساكتاً كعادته، حين أقبل عليه إمام المسجد يسأله:

"أيّ كتب الصحيح تفضّل يا حضرة الملّا؟".

"كتاب البدر في تمامه، فهو عن الشمس، عن الكون الوسيع، وكلهم عندي عدولٌ، ويعجبني فيه فصل الجندب في الحقل ونسيم الليل يقبل على نبات  الذرة إقبال شابٍّ مغتلمٍ على خصر صبيةٍ تتأوَّد على وقع أنفاسها الراغبة في حذرٍ أو خفرٍ"، أجاب الملّا.

 

▪▪▪

             

 

 

 

مدح أهل آق شهر رجلاً وقالوا مخاطبين الملّا نصر الدين:

"ما أتقاه رجلاً يا ملّا! إنّه مشغوفٌ بحبّ الله!".

"فما باله يكره ابن أمّه إذن؟!"، سألهم الملّا.

 

                

▪▪▪

 

 

سأل تيمورلنك الملّا نصر الدين:

"ما الحسد؟".

فأجابه الملّا:

"لهاث روحٍ بخراءٍ!".

 

                 

▪▪▪

 

 

استفتى رجلٌ الملّا في جامع آق شهر فسأله:

"قل لي يا جناب الملّا لمَ حرّم الله الميسر والقمار؟".

"كي لا تقف على سرّ الكون وتفقهه!"، أجابه الملّا.

            

وسأل رجلٌ آخر الملّا فقال:

"ما تقول يا مولاي لامرئٍ لا يطيق أباه البتّة؟".

"أبارك له إيمانه الفذّ والكامل ذاك"، أجابه الملّا.

 

 ▪▪▪

     

سأل تيمورلنك في ليلةٍ باردةٍ موحشةٍ الملّا، فقال له:

"كيف لي أن أميّز الأمة من السيدة الحرّة يا جناب الملّا؟".

"حاشا لمولاي السلطان أن لا يعرف من تكون الخاتون ومن تكون الرعيّة"، أجاب الملّا.

"إنّما سألتك يا هذا عن لذائذ المخدع"، أوضح السلطان مرماه.

"الرعية ألذّ قطعاً فبعض اللذّة سقوط المؤونة"، أجابه الملّا.

    

▪▪▪

"من رسول الله يا ملّا؟"، سأل إمام آق شهر الملّا نصر الدين، بصوتٍ يجلجل ويدوّي إدانةً وتشهيراً، فأجابه الملّا بهدوء ماءٍ ينساب على صخرةٍ في الربيع:

"هواءٌ تحتكرونه وأتنفّسه، ويسعدني أنَّ ما يُـقِلّ من أَرَجٍ ظلّ لي وحدي!".

                         

▪▪▪

 

 

 

قال الملّا نصر الدين:

"ما السؤال سؤال حق!".

            

 

 

▪▪▪

 

 

 

 

خطب الملّا نصر الدين مرّةً في قومٍ فقال:

" قولٌ بلا سرٍّ، امرأةٌ بلا صنعةٍ!..."، فقاطعه رجلٌ فقال:

"لعلّ الملّا يريد أن يقول: امرأةٌ بلا سرٍّ، قولٌ بلا صنعةٍ؟!".

"أوَ ثمّة فارقٌ في المعنى يا فطن؟"، أجابه الملّا، وأكمل فقال:

"ليس كالتفصيل يهتك سرَّ البلاغة، والمخدع تفصيلٌ. وويلٌ للمستقبل من إناثٍ حُرِمن بلاغة أنوثتهنَّ، وويلٌ لكلامٍ يخرج من القصيدة إلى العروض". 

               

▪▪▪

 

 

 

 

 

 

قال الملّا:

"الموت حالٌ والعيش مقامٌ والانتحار شطحةٌ من شطحات الحقّ، ظاهرها منكرٌ لأنّنا نغار ونحسد، وباطنها سليمٌ فما الضير في استعجال سلحفاةٍ صوب البحر؟!".

             

▪▪▪

 

كان الملّا يسمر ذات ليلةٍ في خانٍ مع جمهرةٍ من زبائن ذلك الخان، وكان الحديث يروح ويجيء، ويمرُّ بين الفينة والفينة بالحكم وأهله، وكان بين المتحدّثين رجلٌ سمينٌ ثرثارٌ لا ينفكُّ يجذب الحديث صوب مناقب رئيس مجلس الشـورى وكان به معجباً أيّـما إعــجابٍ، وفجأةً توجّه إلى الملّا وسأله: "أتعرفه يا حضرة الملّا؟"، فهزَّ الملّا رأسه أن "بلى"، فسأله الرجل: "فبمن تشبّهه؟"، فقال: "بواحدةٍ اسمها كوثر، عرفتها أيام الصبا، وكانت سمينةً مفاضةً وتعمل في حانةٍ على شاطئ البحر، وقد ظلّ هنُها في بالي حتى طلع صاحبك فذكَّرني ضميره به: مظلمٌ، رطبٌ، نتنٌ وتضيع فيه الأمانات على أنَّه لا ينفكُّ يعدك بالهناء".

 

▪▪▪

                       

"من نحن يا حضرة الملّا؟ من نكون؟"، سأل أهل شيراز الملّا فقال:

"كلُّنا الله!".

"ولكننا لسنا سواءً، أخلاقاً وسلوكاً...؟".

"فكيف يكون مكرهٌ إذن؟".

                

▪▪▪

 

 

 

 

 

 

"ما الفساد يا ملّا؟"، سأل رجلٌ نصر الدين فقال:

"ما نحن فيه!".

 

▪▪▪

 

 

"ما الحلم يا ملّا؟"، سأل أحدهم الملّا فأجابه هذا:

"إنّه ظلّك يبحث عنك!".

"والنسيان؟".

"هو أن يضيع المرء ويبقى ظلّه!".

"والفهم؟  - سأله الرجل - ما الفهم؟ فأنا لا أفهم عنك؟".

"هو صورة وجهك على صفحة ماءٍ يجري!".   

 

 

▪▪▪

 

زار الملّا نصر الدين بلاد الشام وساح فيها، فلمَّا عاد إلى آق شهر تحلّق أصحابه حوله وسألوه عن تلك البلاد وما تنتج فقال:

"فيها مواشٍ، وفيها بشرٌ، على أنَّ المواشي أسعد حالاً، فهي تخور وتثغو وتصهل وتنهق، أما البشر فتقوقئ فقط، وأما الإنتاج فالموت المحتَّم يرسله أولو الأمر سفاتج تقبض في كلِّ حينٍ ومكانٍ، ويسمّون ذلك انتصاراً للجماعة ومعاداةً لتيمورلنك!".

                     

 

▪▪▪

 

 

يروى أنَّ الملّا نصر الدين كان قد أخفـى دراهم نالها في مظّنةٍ، وبعد لأيٍ ما، احتاج إليها فـعاد يبحث عنها وطال غيابه، فافتقده أهل قريته فمضوا يبحثون عنه فوجدوه مقتعداً صخرةً، وقد أسند كوعيه إلى ركبتيه وحضن رأسه براحتيه منخرطاً في سهومٍ عميقٍ، وهو يحدّق في صرةٍ من مالٍ أمامه.

"... ولكن أما جئت تبحث عن مالك يا ملّا نصر الدين؟..".

"فإني أفعل!".

ضحكوا طويلاً لا لأنَّ ما قيل مضحكٌ بل لأنهم اعتادوا سماع المضحك الغريب المستهجن من فم الملّا حتى إنّهم ما عادوا يصغون لما يقول بل ينتظرون فراغه من القول ليضحكوا...

"قد دفنت دريهماتي بين سحابةٍ وظلٍّ، وهأنذا لا أجد السحابة ولا الظلَّ والحرام حرامٌ عليّ ولا أهواه...".

ضحكوا...