ردًا على تاريخ تشييء النساء والأطر المرجعية النفسية-الاجتماعية-التاريخيّة-السياسيّة -الدينية -الاسطوريّة في كافّة المجتمعات وعبر كلّ العصور، التي ساهمت في سيادة الذكورة والأبوة وخلقت فوارق بيولوجية جنسية عقليّة ساهَمت في صياغة واقع عالمي منمّط حول دونيّة المرأة في عمق هويّتها الوجوديّة بصفتها موضوعًا تابعًا ودونيًا، بخلاف الرّجل الذي يُرى ويرى نفسه ذاتًا فاعلة تمتلك حريات تخوّله بأن يكون متفوقًا حتى ظن أقل الذكور قيمة نفسه نصف إلهٍ أمام النساء، بتعبير سيمون دوبفوار. إنه "كائن كامل" يسعى الى الكمال المطلق، انّه مولّد أرواح لا مولّد أجساد كما رأى سقراط، هو القائد وهي التابع كما رأى ارسطو. إنها غير منذورة لعظيم الأفعال، على حدّ تعبير آرثر شوبنهاور، حيوانات بشعور طويل، خائنات مخادعات، ومصدر الشرّ لا عمل لها سوى اسباع غريزة الرجل، اذ يواصل الفيلسوف الألماني نظرته الميسوجينيّة للمرأة وقزميّتها قائلا:
"كما أن النملةَ الأنثى، بعد اتصالها بشريكها الذكر، تفقد جناحيها اللذين يُمسيان غيرَ ضروريين وخطرين على بقائها حيّة حتى في مرحلة الحضانة، فإن جمال المرأة كذلك غالبا ما يضوي ونضارتها غالبا ما تذوي بعد نفسين أو ثلاثة ( ولادتين أو ثلاث)، والأرجح لذات السبب، ومن هنا نصل الى أن الفتيات اليافعات ينظرن، بوجه عام، الى أعباء البيت ومشاغله أو الى واجبات وضعهن، على أنها مجرّد أشياء تافهة حقيرة لا تستحق حتى الذكر، أما في أمور الحب، وغزواتهن في الإغواء، وكل ما له صلة بها كالزينة والتبرّج والرقص وما الى ذلك، فيعتبرنها شغلهن الشاغل وموهبتهن الفريدة”.
إنها الكائن الذي يرى فيه نيتشة غير قادر على الصداقة: فهي لا تزال كالقطط، أو الطيور، أو الأبقار على أفضل الأحوال. والأمثلة لا حصر لها من التراث العربي-الإسلاميّ حول مشروعيّة التوصيف الدونيّ للمرأة سواء من حيث طبيعة صعف البنية الجسدية التي تمركز الفحولة وتنتصر لها أو من حيث قدراتهنّ ومهاراتهنّ على حمل الإبرة أكثر من القلم، وتكريس دونيّة الكيان بربطه بالحيض والدنس.
أفكارٌ كثيرة في المعتقد الشعبي والموروث الفكريّ والأدبيّ في الثقافة الشرقيّة والغربية عمومًا ساهَمت في رسم هوية واحدة شاملة للمرأة، ووجهَت بإبداع الفكر النسوي ومجابهات عنيفة في المستويات الاجتماعية والسياسيّ والمدنية والأدبيّة، كانت ولا تزال في حالة من الوجود المتوتر والحرب على اذابة هيمنة الأنظمة الأبوية.
تأتي المجموع القصصية "أمهليني صيفًا آخر"( منشورات أثر، 2022، وطبعة فلسطينية عن منشورات رايه) لتقودَ العربة النسائيّة وتحيد بها عن مسار الميسوجينية باتجاه حقل الميساندريّة في قوّة نسائيّة مندفعة نحو مقاربة إمكانات سرديّة تقلبُ فيها قوانين اللعبة في أفكار تحقق فيها عدالة مراوغة تبعث على الضّحك وهي تركل بقدمها مفردات الخضوع والمساواة والكبت وسعي المقهورين والمقموعين لنيل الحريّة غصبًا.
هنا، وبرفاهيّة أصحاب القوّة النّاعمة، تشيّد حليوى عالمًا متنوّعًا لنساء تترنّح عوالمهنّ بين البداوة والريف والحياة المدنيّة، وفي كلّ نصّ تسعى لإبانة الأدوار والشخصيّات والحالات الأخرى التي تكشف فيها عن إناث يمتلكن رؤوس أموال قويّة داخل عوالمهنّ، تلك التي تُعايَر فيها الإناث بصفتها مواطن ضعفها.
ما تنفردُ به القصص يكمن في القيمة الميساندريّة التي تأخذنا الى العنف والالتفاف على الجسد الذكوريّ وتدميره من خلال تعطيله وانتهاك وعيه الجمعيّ. في اثنَي عشر نصًا شديدة التركيب، تطغى قوّة نسائيّة مكابريّة- مضادّة- منتصبة-لا تستجيب ولا تضمن القاعدة السائدة لتوزيع الأدوار السّطحيّ المألوف. إنّهن يتحوّلن الى امّهات طاغيات يسبحن في نظامٍ صارم يرمن النجاة من عنصريّة جمعيّة تجاه اللون الأسود، فلا تتردّد حِسن في أن تستعرضَ بحركة يدها قدرات ابنها الجنسيّة بين النساء في طلب عروس له في قصّة "شيء بهذا الحجم". وفي نص "الحياة خارج نفسه"، وفي توصيف سخيّ لملاحقة امرأة لفستانها المختفي من الخزانة، تكتشف- فيما نضحك من المشهد المسرحيّ- أن سارق الفستان هو زوجها الذي يقف على المسرح يحتفل بميوعة جسده الخلاسيّ منسحبًا نحو شهوة ايروسيّة تتخطّى كينونته الذكرية المتعارف عليه وتكسبه لونيّة "المرأة المشتهاة". وفي قصّة أخرى بعنوان "حين ينجلي الغبار" تتسارع الأحداث في خفة سردية هزلية، يظهر فيها الزوج مرة أخرى لا كفاعلٍ حقيقيّ قادرٍ على ممارسة حريّته واستقلاليّته، بل هو رهين إشارة زوجته التي تمتلك صالون تجميل يقوم هو بأخذ صورة لمن تدخل المحلّ وتخرج منه بقطع غيار جديدة. هو ايضًا لا يملك الكلمة الأخيرة. انّه يؤدي مهمّة خدماتيّة في حضرة صاحب الفعل والكلمة: الزوجة، فهي من تغيّر أٌقدار الآخرين، وهي من تعطي الكلمة الأخيرة فيما يُصوّرُ لنا بكلّ خجلٍ، معطّلٌ تنهشه فكرة خيانة زوجته اذا احتفظ بصورة ل "أخرى" على هاتفه.
ما تنفردُ به القصص يكمن في القيمة الميساندريّة التي تأخذنا الى العنف والالتفاف على الجسد الذكوريّ وتدميره من خلال تعطيله وانتهاك وعيه الجمعيّ. في اثنَي عشر نصًا شديدة التركيب، تطغى قوّة نسائيّة مكابريّة- مضادّة- منتصبة-لا تستجيب ولا تضمن القاعدة السائدة لتوزيع الأدوار السّطحيّ المألوف.
تقدم حليوى عيّنات ذكوريّة محيّدة ناقصة في سلطتها تماما، شخصيّات تقف في سكون سلبيّ، لا حول لها ولا قوة، لا تخاطر في الاختراق، ولا رغبة لها في تجاوز الحدو وممارسة سلطتها. تظل في حالة من "الطهارة" التي لا تحتاج الى دفع أثمان. هكذا تنقلب الموازين وتحرر الكاتبة ذكور قصصها من خندق الذكورة والميسوجينيّة نحو تحييد الأعضاء والأفكار والثروات المكتسبة والموروثة فيغدون دمى صامتة لا تعاني من شقاء ولا ترنو الى سعادة.
لا نرى في نصوص هذه المجموعة مادّة دسمة لنظريات نسوية، بقدر ما نرى مادّة تشقلب الكيانات والتعريفات السائدة وإعلان العصيان عليها. ثمّة نموذج آخر لامرأة لا يقودها شغفها نحو رجل، بقدر ما يقودها نحو القوّة، الماديّة والذهنيّة. هكذا تقدّم لنا حليوى شخصية "ثنيّة" في قصة "للموت تغدو الوالدات سخالها"، الفتاة البكر بين خمس من البنات تلاهن ذكور أربع لم تكتب لأحدهم حياة.
في هذا الخيال الذي يخرّب فكرة الذكر البكر الذي تليه ولادة الإناث، تسرق الأنوثة البكوريّة ويقدّم الذكر قربانًا للموت، ويغدو النشاط الأنثويّ منفلتًا حرًا لا يمتّ بصلة لمفاهيم الضحويّة والضعف البدني والانسياق وراء الغريزة بالفطرة. انها أنثى تقود قطيعا من السخال، تثأر لقطيعها، وتبكي موت سَخلها ولا تبكي طلاقها، تظل "تتزوج في موسم الشبق وتتطلق في موسم العفة" ولا ينجح زوج من أزواجها في أن يرثوا قطيعها، فلا يخرجون من الزيجة الا بكنية "تيس ثنيّة".
في نصوص هذه المجموعة اتلافٌ ناعمٌ وساخر ومتجاوز لمفاهيم وأفكار عنيفة حول الأنوثة والذكورة تقابلها القاصّة بعنف موازٍ يتفوّق عليها ويبتكر ميساندريّة ناعمة توضعُ فيها الذكورة على سرير التشريح، وتُبعث صورة حيّة، حركية ونشطة للأنوثة القابعة في دوائر القمع.
في المستوى السّردي تمتلك حليوى مفاتيح الأنالوجي والتوريات الذكية، وتبتعد عن الإطالات التي كان من الممكن أن تكون آلية عنيفة تفسد فنون الإلماح في كل نصّ. هكذا يتوازى رسم عالم البهائم مع أحداث القصّة ويشير إلى الدعابة التي تثيرها عبارات ملقاة هنا وهناك في قلب النصّ، فيتساوى مقام التيس مع مقام الزوج. وبنفس الطريقة يُثار عالمٌ جنسيّ مائع يترنّح بين رغبة في الانعتاق عن الجسد الذكوريّ لزوجٍ وفيّ، وتوقٍ الى عالمٍ ملوّن بالماكياج والباروكة والفساتين يحرّر النعومة الكامنة في عمق القسوة. وهكذا أيضًا تحارب حِسن السوداء عنصريّة قرية بأكملها، وتحارب النساء ب "شيء" ابنها لتتخلص من "عباءة العبد".
نصوص تحمل ذكاء تقسيم المشاهد الى مرايا كبيرة وأخرى صغيرة تملؤها رموز وشيفرات السخرية المكابريّة، وقزميّة الذكورة المعرّفة وفق أنساق أبويّة مألوفة.
في نصوص حليوى تشكّل الأغراض الماديّة، هوامش الأفكار، هوامل الجسد، وكلّ ما لا تراه العين تفاصيل جاهزة لا تقدّم ولا تؤخر في فهم النصّ، تشكّل محورًا جوهريًا يدعم النصّ ويمدّه بطاقات نشطة توسّع مداه وتردد صدى أفاره الكبرى: ذراع حسن وهي ترتخي وتستدعي "شيء" ابنها المرتخي وصحن مملوء بالماء تبصق فيه حسن السيجارة وتحرص البنت على تفريغه حيث يضيق هو وماؤه عن سجائر حسن، حلم الزوجة الذي يضخ عجائبية جنسية، الفستان الذي يصير مجازا يضحك ويبكي أمام اكتشاف الزوجة حقيبة اليد التي تتحول الى مستودع اسرار رغبات دفينة، الهاتف الذي تحفظ فيه تفاصيل صور تتأرجح بين خيال وفي وآخر خائن، الصدريّات التي تصير موضوعًا للفتيات العاملات في الحقل، السيجارة التي تصير اكسسوارًا مكملا لصورة الأنثى المكتملة بقوّتها واستقلاليتها بدلا من الذكر، والأسماء التي تهبها القاصّة لنسائها واحدة تلو الأخرى، تلك المركزيّ وتلك المهمّشة- مقابل غيابها عند الذكور، الشاشة التي تتواطأ في جوّ مكابريّ مع الموت على نورة وحياة وعبلة في حركة مراوغة لا تمهَل فيها البطلة صيفًا آخر، وغيرها الكثير من تفاصيل تضعها الكاتبة في نسق الميكروسيستم داخل السرد ليكشف عن المستوى الأكبر للنصّ ويدعمه باتجاه رؤية عميقة لقوّة انثوية تندفع نحو ميساندريّة تقويضيّة ناعمة.