في معنى إعادة القراءة | ليلى عبدالله
23-09-20
ليلى عبد الله
في معنى إعادة القراءة
في وقت تكاثر قراءات " الكم" وتباهي معظم القراء بمائة كتاب في الشهر والتلاهث العجيب للانتهاء من كتاب لبدء بآخر كأننا في ماراثون!
هذه المقالة تمجّد أولئك الساعين إلى " الكيف" بالأخص إلى " إعادة قراءة" الكتب نفسها مرارًا وتكرارًا وبمتعة أشدّ وأنضج في كل مرة.
يقول الناقد الفرنسي " رولان بارت " متحدثًا عن إعادة القراءة : " كلما وجد تكرار، وجد اختلاف". وهو الذي رأى أن عادة إعادة قراءة الكتب نفسها لم تعدّ ترفًا ولا نوعًا من الاستهلاك ولكنها الأمر الوحيد الذي ينقذ النص من التكرار، كما أنه ينأى المرء عن إعادة قراءة القصة نفسها في كل مكان.
وفي خضم هذا الموضوع، كثير من الكتاب حكوا تجاربهم عن إعادة قراءة الكتب نفسها مرتين أو أكثر، فهناك من يعود ليفتح صفحات كتاب بعد مرور عشرين عاما، لابد أن إعادة قراءة قصة نفسها بعد هذه المدة الطويلة ستضيف له كثيرا، وسيعايش من خلال هذه العودة انفعالات متباينة، وهذا الشعور وصفته أستاذة الأدب الفرنسي " لورا مورا" وهي التي حكت تجربتها حول إعادة القراءة في كتابها " إعادة القراءة" حيث تصف شعورها حينما أعادت مشاهدة مسرحية بعد خمسة وعشرون عاما من مشاهدتها لها، وكانت المفاجأة أنها ذهلت لكمّ الأشياء الجديدة التي كونتها عند المشاهدة الأولى.
كما كانت الناقدة والروائية الأمريكية " سوزان سونتاغ" من أشد المؤيدين والممارسين لعادة إعادة القراءة الأعمال نفسها مرات ومرات، إذ كانت تقضي ساعات طويلة في القراءة ما يقرب إلى عشر ساعات في اليوم وهي تخوض بمتعة خالصة في دهاليز القراءة. ومما كتبته في مذكراتها وهي تصف قراءتها لمذكرات " أندريه جيد" :" أنهيت قراءة هذا الكتاب في الثانية والنصف من ليلة ذات اليوم الذي ابتعته فيه، كان علي قراءته بسرعة أقل مما فعلت، كما يجب أن أعيد قراءته غير مرة. لقد بلغت و(جيد) حدًّا مثاليا من التواصل الفكري، حتى أنني شعرت بآلام المخاض الذي خبره أثناء ولادة كل بُنية من بنات أفكاره.". صارت إعادة القراءة دأبها في الحياة منذ أن وجدت نفسها يرقة في عالم القراءة الواسع، حتى أنها أعدتها مهمة من مهمات الحياة لها ككاتبة وناقدة وامرأة شغوفة بالقراءة.
وتحدث الكاتب والروائي الإيطالي " إيتالو كالفينو " عن متعة إعادة قراءة الأعمال الكلاسيكية، وأسهب في الحديث عنها في مقالة كان قد كتبها وقام بترجمتها المترجم المصري " أحمد الشافعي " حيث يبدأ مقالته بطرح أسئلة عن جدوى إعادة قراءة أعمال كلاسيكية، فهو يرى أن معظم القراء يعلنون أنهم يعيدون قراءة الأعمال الكلاسيكية ولا يبتعدون عن الاعتراف بأنهم يقرأونها؛ وذلك ليبددوا عن أنفسهم خجل قراءة عمل شهير ولم يطلعوا عليه سابقا أو في وقت مبكر من حياتهم.
كما يرى فاعلية إعادة قراءة الأعمال الكلاسيكية تحديدًا؛ كون المرء في شبابه نافذ الصبر وفاقد للتركيز ولا يملك النضج والخبرات لتناول الأعمال المهمة في مراحل ما قبل النضج، بينما في العودة يمكن الاستغراق فيها بعد مرور أعوام، ستشرع لقارئها آفاقا لم تخطر بباله من القراءة الأولى المتعثرة في زمن الفتوة، وفي هذا يقول :" الكلاسيكيات هي الكتب التي تصل إلينا حاملة آثار قراءات سابقة على قراءاتنا وجالبة في أعقابها آثار التي تركتها هي نفسها على الثقافة أو الثقافات التي عبرت بها".
لاشك أن إعادة القراءة هي إعادة انتاج النص، هناك كتب لا يمكن الاكتفاء بها من قراءة وحيدة، بل يعوزها عدة قراءات حتى يشعر القارئ أنه تشبع بأفكارها ووقف على أهم معانيها، ككتاب ألف ليلة وليلة على سبيل المثال، فهي من الكتب التاريخية، المنغمسة في حكايات مدهشة، المكثفة بالشخصيات والمزدحمة بالأحداث، وقليلون الذين تمكنوا حقا من استكمال قراءة كامل صفحاتها؛ لذا فإن إعادة قراءتها تعدّ ميزة عظيمة وعلى فرادة شخصية فاعلها!
لقد ظل الكاتب الفرنسي "غوستاف فلوبير" مأخوذًا برواية دونكيخوتة، وظل يغترف منها مرارًا وتكرارًا حتى نهاية حياته.
إشترك بالنشرة الشعريّة
مقترحات