1| لمن توجّه خطابك السّردي؟ لماذا الرواية تحديداً وهل هي ما يطلبه الجمهور أم ما نوجهه نحن ككتاب ليكون مطلوباً؟
خطابي السردي -وغير السردي أيضاً- أوجهه لكل لقارئ، ليس عندي تحديد للمتلقي عمرياً أو جندرياً أو جغرافياً أو غير ذلك. النص قد يذهب عبر ترجمة غير متوقعة لجمهور آخر أبعد يحتفي بالنص أكثر.
الخطاب السردي ليس عِلماً لكنه يمكن بالطبع أن يكون مادة للدراسات الأدبية.
الكاتب الذي يجري وراء مطالب الجماهير لن يكون مؤثراً حقيقياً حتى وإن كانت جماهيريته واسعة.
الكاتب الذي يدهش الجمهور بوعي جديد ورؤية جديدة لا يتوقعها هذا الجمهور، يترك أثراً ويبقى.
2| إلى أيّ مدى تعيش الرّوايات، وهل قارؤها الحالي يختلف عن قارئها بعد مائة عام؟
تعيش الروايات أعماراً طويلة، تعيش بأفكارها العميقة الأزلية. إلى أي مدى بالضبط؟ لا يمكنني الجزم.
بطبيعة الحال يختلف القارئ الحديث في التلقي عن القارئ قبل مئة عام، في ما يتعلق بالمكان والنشأة الاجتماعية والظروف المؤثرة من حروب ومجاعات وصراعات أو سلام.
القارئ الآن يختلف في مسارات تفكيره وتعامله مع الأحداث، فالحياة التكنولوجية بمفردها اختلفت ألف مرة عن ما قبل نصف قرن، والانبهار القديم مثلاً باختراع الطائرة أو بالصعود إلى القمر أو أي كوكب لن يمثل أي دهشة لشاب في عصرنا.
قارئ الأدب الروسي القديم قبل قرن ونصف لجوجول (1809-1852) ولدوستويفسكي (1821-1881) ولتولستوي (1828-1910) ولتشيخوف (1860-1904)، غير الشاب الذي سيقرأ هذه الأعمال اليوم، وكثير من الأعمال في الآداب الكبرى. ناهيك عن اختلافات التلقي لهذه الأعمال نفسها لقارئ في كولومبيا وقارئ في غانا.
الخلاصة: القارئ بعد مئة عام سيكون بالقطع مختلفا وستكون المعلومات المتاحة له أيسر وأكثر.
3| هل ترعبك الكتابة بوصفها واقعاً وحقيقة وتعرية كاملة للأفكار والسلوك والتفاصيل اليومية؟ أم أنها مجرد خاطرة كاذبة؟
الكتابة لا ترعبني. لو أنها ترعبني لعزفتُ عنها. في الحياة ما يرعب، رعب من هذا التدمير الفسيولوجي والنفسي، من نزوات التسلط الحمقاء والهيمنة الجشعة التي ابتلينا بها وما زلنا.
المعادل لهذا الرعب هو الفن ومن صنوفه الكتابة. وليس إثما أن أعرّي واقعاً طائشاً وسلوكاً مختلاً وأن أتأمل تفاصيل يومية تستحق الوعي لأعيد نقلها من وجداني.
4| هل ما زلنا بحاجة للقالب الكلاسيكي في عمليّة الكتابة الروائيّة؟
القالب الكلاسيكي غير ثابت. طه حسين بالنسبة للطيب صالح كلاسيكي، الطيب صالح بالنسبة لمنصور الصويم كلاسيكي، منصور الصويم بالنسبة لكاتبة أو كاتب من مواليد 2000 يعتبر كلاسيكياً وهكذا، لكننا اعتدنا على استعمال مصطلح "كلاسيكي" بمعني (القديم) فحسب، رغم أنها في فهمي (النسق المعتاد في زمن معين أو المألوف والدراج).
كل كاتب حديث يخترع كتابة حداثية تخصه في فترة زمنية محددة، ومعه زمرة من الكُتّاب تتسم أعمالهم بسمات متشابهة وإن كانت غير مرئية، هذا يخلق "الكلاسيكية" التي قد تكون مثالاً يحتذى أو يمكن التمرد عليه.
5|كيف تنجز بصمتك؟ البصمة أم المشروع أولى كمنجز للروائي، وهل ما زال أمامنا متّسع من التّجريب؟
أظن أيضاً أن كل كاتب له بصمته الخاصة، حتى المُقلِّد له بصمته في التقليد. أنا ككاتب لا أنتبه لبصمتي، قد أقرأ عنها في نقد متعدد عند بعض النقاد الراسخين. بصمتي مثل صوتي الذي لا يمكن لي أبدا أن أسمعه كما يسمعه الآخرون.
كل ما يكتبه الروائي خلال حياته هو مشروعه. أستغرب من تأكيد البعض على مصطلح (المشروع الروائي) كأننا نتحدث عن أطروحة جامعية. المشروع هو شروع، أي مجرد بداية أو أفكار لما هو قادم، وهو دائماً في حركة ديناميكية.
أما الإنجاز الذي يستحق الانتباه فقد يكون في عمل مميز أو في مجمل أعمال مميزة للكاتب.
ما دام هناك نَفَس في هذه الحياة فهناك تجريب لا يتوقف. بدون تجريب وجرأة في الخروج عن الأنماط التقليدية، لا دهشة ولا إعجاب ولا استعجاب.
6|في تجربتك الروائية، هل تتحدّد البنية الهيكلية والمعمارية للنص أثناء أم بعد أم قبل البدأ في إنجاز النص؟ وأيّ الطّرق تخطّط بها للولوج إلى عملك الفنّي؟ وأي قانون يحكم ممارستك لمهام الكاتب في الرواية وعلاقتك بضمير الرّاوي؟
يختلف التناول في كل رواية كتبتها من ناحية البناء والتشييد والإنهاء. الفكرة تكون واضحة في البداية، وأسير في الكتابة بشكل يحاول أن يسبق الأفكار المنهمرة، بعد ذلك أعود لاستكمال بعض الفجوات وبعض الأفكار التي فلتت، بعد ذلك أعود لحذف ما ليس له علاقة بإثراء النص.
نصي الحالي أعيد مخطوطته الثامنة، وليست بطولةً وأيضا ليست تلكؤًا، فكل سفر أو انشغال يترك النص لفترة طويلة، تكون العودة لبداية الكتابة للدخول في أجواء النص.
بمجرد أن أرتاح للنص في أخر كتابة ومراجعة، أطلقه للنشر، وبمجرد صدوره فقد وُلِد ولا فرصة له لأي عمليات تجميل لاحقة.
7| هل نجحت في إنجاز خطوة حقيقية على طريق ترسيخ نموذجك الرّوائي؟ أذكر لنا ما هي الخطوات التي يمكن أن ينجزها الروائي فيشعر أنه أضاف لمكتبة لغته.
(ترسيخ نموذجي الروائي) كلمة مقاسها أوسع مني بكثير. أنا أكتب وأحاول أن أجيد في كتابتي. أستمع وأحترم رأي الناقد وأهتم برأي القارئ، والطريق طويلٌ رغم عمري الطويل حتى أتجرأ بقول كلمة (منجزي الروائي) كتبجّحٍ أو تباهٍ وافتخار.