سالم وريثة، شاعر و كاتب تونسي أصدر عدة مجاميع شعرية هي على التوالي: "حركات في الخلق"، "قافية القيامة" "ديوان الكونشرتو". كما شارك في كتاب نقديّ جماعيّ.
(1)
مجاز
(ثلاثيّة من ذاكرة الإخوة جبران)
1
ستدْخُلُ بَابَ المجَازِ وتُهزَمُ خَلفْ المَجازِ بِدونِ لِسَانٍ، بَلا قدميْن
ستعرِفُ ريحَ الشّفَاعَةِ عندَ السَّماءِ الأخِيرَةِ، لا لنْ يُضيرَك وجدٌ يُرَاوِحُ بين جناحيْن، أعلى وُضُوحُكَ، لكنّه غامضٌ وهو يَهوِي قريبًا منَ الكلماتِ، يدقّ يدقّ يدقّ يدقّ المسَاميرِ حيثُ تنِدُّ السمَاءُ بطَفْحَةِ حبٍّ
وسيّدةٌ، ربّما هذه الأرضُ، تخرجُ، تدخلُ حذْوكَ في صَمْغِ تَأْويلِها، لا تعُودِي إِليْهِ. يقولُ لها أثرٌ جامحٌ في الضلوع وتدخلُ باب المجاز لأنّكَ بِنْتَ وكنْتَ يقول لك آخَرٌ: مَنْ يقدّ ظلالَكَ فيَّ؟ فتطفحَ مثل الغريب: أنا.. أنا دون عكّازهم أَرْتُقُ الله في آخِرِ الأدْعيهْ. أنا كنتُ ما كنتُ حتى أُجيرَ حفيفَ الدّموع أمام السّماءِ، أنا وعْدُهُمْ.. أيْنَمَا سِرْتُ ضلّلْتُ نارَ الرّفاق.. أنا كلّ ما في الرّؤى من خِفَافِ السّمومْ.. أنا جمْعُهُمْ والوحيدُ أمامَ الصّراخ الوحيدِ، أكُفُّ عن الرّاء في وِرْدِهِمْ
وأُبَاهي المجاز بكمْ لثْغةٍ في احْتكاكِ الجناحيْن: مَنْ أنا؟ قلْتُ فكنتُ
ومِنْ غَدِكَ الهشِّ عدْتُ، أنا لا أحبّ الطريق، فكنْ مرّةً أيّها الظلُّ وحْدك، جدّدْ حُروبَك وحْدكَ، عشْ غامضًا كالرّياحِ الخبيثةِ في بُؤبؤ القلب وابْصِرْ هناك الهوامشُ تصْدَأُ في سرّها لنْ أكونَكَ في آخِرِ الدّرب، هذه وحشتُنا ـ قلْتَ، هذي بدايتُنا ـ قلتُ
ليس لنا ملِكٌ ها هنا
أو هناك، شبيهانِ نحنُ ولكنّهمْ دخلُوا قريةً في المجاز فأسْقِطَ مَحْفَلُنا الأَمَوِيُّ
وتابَ الحفاةُ على ناقةٍ،
أنا لم أكنْ "أحدًا" ها هناك، لقدْ عُدتُ من غَدِهِمْ
كفيفًا، على كَتِفِي وِزْرُ ظلٍّ وأمسٍ بعيدٍ، ولكنّني لا ألوم الحدائق في فَمِيَ الغضّ وهْيَ تقول الحياةَ: هيَ كلُّ ما في الغريب مِنَ النفحات، هيَ مجْدُ أعْمَى تدَاوَلَ أُخْوَتُه الطيّبُون على سرّهِ، هِيَ ظلُّه ينأى
ويدنُو، هي رعْشةٌ قالَها الصّبرُ،
موْلايَ يقتلُني أنّني كنتُ دُون لسانٍ، بِلا حكمةٍ في المجاز أردّدُ رعْشةَ ظلِّي كَمُرْتَبِكٍ فوقَ معنى وأَحْنُو عليه، أنا لنْ أقولَ سِوَاكَ، لأنِّي وَحيدٌ، بِكمْ لهْفةٍ سوف أُجْزِي جناحَيْك في القلب حتى أغادرَ أهلي فيخرجَ شُرّاحُ ظلِّي من الظلِّ،
أخرجُ مِنْ غدِهِمْ، لا يراني سِوَايَ قريبًا، بعيدًا، ثقيلًا، خفيفًا، قليلًا، كثيرًا
لأنّي وحيدٌ
فكُنْ ما أنت فيَّ عليَّ بِنصْفِ الغرائز حتّى، وخُذْنِي الى غابةٍ في العُرُوق دَمِي اسمُها لا قبائلَ فيها
وخُذْني إِلى فَمِيَ الغضّ
حافيةٌ نبراتُ اللَّظَى في فمِي
أنا لم أكُنْ "أحدًا" ها هُنا، عُدْتُ من غدِهِمْ بِتمامِ اكْتوائي، ورَمَّمْتُ كلّ المسافةِ
حوْلي،
لسيّدةٍ. ربّما هذه الأرضُ التي انكسَرَتْ،
أَنْجَلِي في لساني، وحيدٌ ولكنْ أمامي سماءٌ لكلّ العويلِ، يدقّ يدقّ يدقّ يدقّ المساميرَ حيث تَنِدُّ السَّمَاءُ بِطَفْحَةِ حُبٍّ
تقولُ :
لِذاتِكَ بعضُ الهباءِ الثقيل
لِذاتِكَ ما أنتَ فيه من العَثرات
لِذاتِكَ أُحْجِيةٌ كالغريب
لِذاتكَ مَتْنُ الهَوَاجرِ تمْضغُ بَرْدَ الضلوع
لِذاتكَ "كيْفَ" وأين"
لِذاتكَ أنْ تستريحَ على أنّةِ الخلْق في الفجوات
لِذاتكَ ما بينَ بَيْن ،،،،
2
هَنا
قَابَ قوْسيْن من لثْغةٍ في المَجَاز،
تشرُّدُ طيْفِ الفراغِ، صُراخُ جناحيْن في بؤبؤ القلبِ، "كيف" و"أين" يَدُقّان منْزلَتيْن، وتاريخُ أعمَى يُهجِّي الهواءَ، رِتاجٌ لكلِّ القبائلِ تَخْرجُ مِن لغةٍ لا سماءَ لها
عَراءُ النّشيدِ أمامَ الصُّرَاخ الأخير،
نشيدُ الذي،،،،
أنينُ الذين،،،،
نَشيجُ التي،،،،
قابَ قوْسيْن مِن ذاتِكَ الأبدِيَّة جرّأْتُ كلَّ الهباءِ عَلَيَّ وقلتُ... لأنِّيَ كنتُ وبِنْتُ
نَبَتُّ على قلَقِ اللّهِ
نسّاجةٌ للفراغِ يَدَايَ، تناسلْتُ حتّى تَجَمَّعْتُ فيَّ
وبسْملْتُ في وِجْهَتِي وبِي ضلْعُ أعْمى، وبي أَبَدِيَّتِي، بي عروشُ تَئِنُّ ورائي
وبي كلّ ذاك السّؤال ولِي مِنّيَ الضوءُ يَنْأَى ويَدْنُو
سَيَحْتَاجُكَ الضَّوءُ حينًا لتُؤْذِي الطريق
ستحتاجُ كلّ العواءِ وأنتَ تَهُدُّ السّنين
ستحتاجُ أمرًا يُدَبَّرُ بَيْنِي وبينَكَ
تحتاجُ إفْكًا عسيرًا
وتحتاجُ مِنْ غَدِكَ الغضِّ إِسَفَنْجةً للعواصِف
تحتاجُ دمَّ القوافل في ساحة الأموِيّ لِتعرفَ طنجةُ مَنْ "أنتَ" في بَاحَةِ القَرَوِيّ، لِتعرفَ أنّي تنفّستُ كلّ الطريق
ستحتاجُ أنّي مُعَلَّقَة فوْق بابِي ليعرفَ خلْقٌ كثيرٌ عماءً صحيحًا
ستحتاجُ منّي مجازًا لهذا الهروب ...
3
تحنُّ إلى أيِّ شيْءٍ:
إلى المفردات يَقِفْنَ يَقِفْنَ يَقفْن
وراء المجازِ
و يحْرُسْنَ يحْرُسْنَ يحْرُسْنَ
نارًا،
إلى قادِمٍ من جِبَالِ البَلاغةِ يَنْأى ويَدْنُو، إِلى قَدَمٍ قد تَزِلُّ بها الرّيحُ فوقَ اللِّسَان، إلى الرَّاجِمَاتِ بِغَيْبِ الصَّبَاحِ، إِلى عَدَمٍ مُتْقَنٍ،
إِلى الهَسْهَاتِ، إِلى مَنْ يُلَوِّنُ وَجْهِي، إِلى صُورَةٍ في اللِّسَان، إِلى أَيِّ أَمْسٍ يَمُدُّ غَدًا في الظلامِ، إِلى رَبَوَاتٍ تُطِلُّ عَليَّ، إِلى "اللاّ.......
(بِدون هوامشَ كَيْ لا تُؤَوِّلَه)
إلى أثَرٍ في الْحَقِيقةِ خَلْفَ الحياةِ،،، الحَياةِ الّتِي
انْتَحَبَتْ في الأَغَانِي
تَحِنُّ إِلى أيِّ شَيْ....
(2)
كَمَا سَأَرْوِي / فِي المَتْنِ السُّورِيِّ
(إلى: عائشة أمّي، زوجتي،الكاتبة نجيبة الهمّامي، نساء العالم)
يُحَدِّقْنَ
بِي
لا لِشيْءٍ سوى أنَّ في المَتْنْ هَالاً منَ الليل، فالحرْبُ تُخْطِئُ والأنبياءُ يَقِيسُون جُلَّ المُتُونِ بقطرةِ دمٍّ، سأرْوي كأنِّي أُزيحُ النّدَى عنْ تفاصيلِ موتِ كثيراتِ. السُّورياتُ يُرِدْنَ كتاباً جديدًا وهنَّ يُرِدْنَ الكلامَ الحزينَ. أَرَى الآنَ أكْثرَ مِمَّا رأيتُ فلا شَيْءَ فيَّ يَضِيقُ عنِ السيّداتِ يقِفْنَ هناك بِباب الفَرَادِيسِ* يُشْبِعْنَ نارَ القوافلِ، لا شيْءَ في الاحْتمالِ الأخيرِ سِوَى ما يخُطُّ تلالاً دِمشقيّةً في كُفُوفِ المسيحِ. تكاثرْنَ يا سيّداتِ الضياءِ قليلاً تكاثرْنَ، في آخرِ اللّيْلِ نِمْنَ، وكُنَّ السّلامَ الوحيدَ - تَأَخَّرَ ذاكَ السَّلامُ على مَا أَظُنُّ- فحَدِّقْنَ بي قبْلَ أنْ يَكْمُنَ الحَظُّ لِي في ظِلالِ المسَافةِ بين الصَّدَى وَالهُوِيَّة. ذاك الذي كُنْتُهُ كلّ رُؤيايَ، ما قَد حَمَلْتُ مِنَ الأبْجَديَّةِ بينَ ضُلوعيَ، آخِرُ مَا مَرَّ مِنْ ضِحْكِهِنَّ المُراوِغِ، تاريخُهُنَّ القليلُ وهُنَّ يُنافِحْنَ عنْ زَهْرَةٍ في الأَعَالي. سأرْوِي بِلا وِجْهَةٍ، مثْل مَنْ ضيّعَ الدّرْبَ: حين يُحَدِّقْنَ يُشْعِلْنَ كلَّ الشِّعَابِ ويُرْزَقْنَ قَلْبَ الإلَهَاتِ، أبْوابُهُنَّ يُفَتِّحُها نَرجِسٌ مِنْ شَآمٍ، ولا يَتَلَأْلَأُ في السّورِيَاتِ سِوَى دَمُهُنَّ، كمَنْ يركبُ الخيْلَ في حُلمِ آخيل، أقْصُدُ أنّ السُّهُولَ بِلاَ قمَرٍ سوْفَ يُرْبِكُها شَجَنٌ في اللّيالِي وسوْفُ يَطُوفُ بها طائفٌ مِنْ زَبَرْجَدِهِنَّ، يُحَدِّقْنَ بِي كيْ يَطِيرَ الحمامُ -حَمَامُ اللُّغاتِ جميعًا- إلى سِجْنِهِنَّ، فَتِلْكَ هُوِيّةُ ذاك الصّباحِ كَمَا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الصّباحُ العَفيفُ أنا ضيْفُكُنَّ، تَكاثرْنَ فِي ما أقُولُ فأنتُنَّ مَرْحلَةٌ لنْ تُطِيلَ الأساطيرَ، تأتِي وتذْهَبُ كالوَاثِقاتِ.. أنا جالِبُ المَتْنِ أُولَدُ في ضَوْئِكنّ وأكْثُرُ،
أُسْنِدُ ما يَتَأخّرُ عنْ فَوْهَةِ الموْتِ حينًا، عُرُوقِي الضّعِيفاتُ أتْبَعُها حيْثُ تكْبُر: في حَلَبٍ أو حَمَاة** لِأنّي انْتَبَهْتُ وأنتُنَّ تَعْبُرْنَ مِنْ زِنْدِ شيْخٍ إلى وجْهِ طِفْلٍ خَفِيفَاتِ كاللُّغْزِ، لسْتُ مِنَ الطّينِ حِينَ يَضِجُّ، أنَا كلُّ شيْءٍ يَدُسُّ مَلاَمِحَ قمْحِيّةً فِيَّ، في لحْمَةِ السّورِيَاتِ، أنا جَالِبُ المتْنِ أُولَدُ حيًّا لِأُكْمِلَ مِنْ سِيرَتِي شَطْرَها،
شَطْرَ أغْنِيَتِي..
(3)
عَلى الجِهَتَيْنِ أَنْظُر
علَى الجِهتيْنِ أَنْظُرُ،
قَدْ تحُطُّ علَى عِظَامِي نِصْفُ مَمْلَكةِ الحيَاةِ لأَنّنِي قَدْ متُّ أوّلَ مَرّةٍ أو هَكذَا قَد كُنتُ أحْيَا مثْلمَا قَالَتْ حيَاتِي، لمْ يَكنْ ظِلِّي وَرَائِي، كلُّ شَيءٍ كَانَ يَسبِقُني أنَا صوْتِي ومَاهِيَتِي الَّتِي ارْتبَكَتْ أَخيرًا في رُؤايَ، مَصَائِر الغِرْبانِ حَوْلِي وهي تَحْفِر فِي البقيَّةِ مِن صُرَاخِي، قُلتُ أَنظرُ فاهْتَدَيتُ إلَى الهَواءِ يَطِنُّ فِي رِئتيَّ، يَظْفَرُ بي غَدٌ قلِقٌ وهَذَا بَعضُ مَا في الأَمْرِ، يَتْرُكُنِي هُنَا الإِيقَاعُ أَخْرجُ مِن لُغاتِي أَجْوَفَ النَّبرَاتِ، أوَّلَ ما أُصَادِفُ قَدْ أُصَادفُ صَيْحَتِي، والفَأسُ في يَدِهَا لتَشْطِبنِي، أنَا الزّنْزَانةُ الأخْرَى وخارجَ قِصَّتِي قَدْ لاَ أَرَانِي أَوْ يَرَانِي جَابِرُ العَثَراتِ: حَظِّيَ المَسبُوقَ بالأَفْعَال والأسْمَاءِ، أدْمَى دَاخلَ الكُرةِ السّعيدَةِ هَذِهِ فأَظَلّ أرْمَى فَوقَ نَفْسِي مِثلَ لَغْوٍ فَاسِدٍ، وأَقولُ لِلْكوْنِ انْتَظرْنِي كَي أَشُقَّ، هُنَيْهةً هذَا السَّرابَ فَقدْ يَخُون الناسُ فِي كُلِّ الجِهَات وقَدْ أُعَلِّقُ فِكرَةً لا تَستَوِي فوْقَ الكَلامِ وقَد أُصَابُ هُنَا قَريبًا منْ مقَامِ الأَمْسِ، قدْ تَبْدُو – تمامًا - جُثَّتِي بالفَحْمِ أَعْرِفُهَا وتَعْرِفُنِي، فَلا أنَا في الْمَكانِ أنَا وَلا أنَا فِي الزمَان سِوَايْ،
قدْ لاَ....
لَيسَ ذَنْب الرِّيح... لَكنَّ الحيَاةَ تَعثَّرتْ فِي دَرْبِ آخيلْ
- لِماذَا كُنتُ أُغلِقُ بَعضَ هذَا الوَقتِ؟
- حتَّى أُبْصِرَ ْالدُّنيَا بشَهْقَةِ غُصَّتِي فِي مُعْجَمِ الأَمْوْاتْ
* باب الفراديس: أحد أبواب دمشق السبعة