عن منشورات جدل في الكويت، وبدعمٍ من مبادرة ترجم في المملكة العربيَّة السعوديَّة، صدرت الترجمة العربيَّة لرواية "إثنان" للكاتبة والروائيَّة الفرنسيَّة إيرين نميروفسكي، بترجمةٍ من الشاعر والمترجم اللبناني بهاء إيعالي، والذي سبقَ وأعلن على صفحته الشخصيَّة على فيسبوك أنَّه بصدد الاشتغال على ترجمة الأعمال الكاملة للكاتبة.
في هذه الرواية، الممتدَّة بطبعتها العربيَّة على قرابة الـ 300 صفحة من القطع الوسط، الصادرة بطبعتها الفرنسيّة الأولى على شكلِ فصولٍ عام 1938 في مجلّة Gringoire (وعلى شكل كتابٍ عن Albin Michel عام 1939)، يستطيع القارئ القول إنّ نميروفسكي انقلبت على مسارها الأدبي الذي دأبت عليه طيلة فترة حياتها، واتّجهت نحو ثيمةٍ جديدةٍ ترسمُ واقع الشباب الفرنسيّ في السنوات العشرين ما بين الحربين العالميّتين، وذلك على الصعيد العاطفي. وهي ثيمةٌ لم يسبق لها أن اشتغلت عليها ولن يقدّر لها تكرارها، وهو ما يعطي هذه الرواية فرادةً خاصّة في تجربة نميروفسكي الأدبيّة، القصيرة نسبيًّا والخالدة للأبد.
نحنُ أمام روايةٍ إنسانيّة عظيمة، رواية لا تتردّد في سبر أغوار الحال الذي وصل إليه الفرد الشاب في تلك المرحلة الزمنيّة العصيبة. لعلّ معظم النقّاد يتّفقون على أنّ نبرة نميروفسكي في صلب النصّ هي تلك النبرة الساخرة، نبرة الهجاء الاجتماعيّ التي تحلّل العاطفة بصرامةٍ وتشرّحُ العلاقات الزوجيّة في فئةٍ مجتمعيّةٍ توقّف عندها الزمن عند اندلاع الحرب، فوجدوا أنفسهم لا زالوا في فترة المراهقة إلى حدٍّ ما. غير أنّ هذه السخريّة لا تخلو من الشفقة التي أبدتها صاحبة "الكلاب والذئاب" تجاه هذه الفئة، شفقة كاتبةٍ يسبقُ وعيها عمرها، ليصحّ القول إنّ هذه الرواية تُضمِرُ "الكثير من الحب، الكثير من العنف، والكثير من السخرية".
وُلِدت إيرينا ليونيدوفنا نميروفسكايا، والتي عُرِفت لاحقًا باسم إيرين نميروفسكي، في كييف في 24 فبراير 1903 لعائلةٍ يهوديّةٍ روسيّة برجوازية؛ ووجدت نفسها مجبرةً على مغادرة كييف عقب نجاح الثورة البولشفيّة في أنحاء الإمبراطوريّة الروسيّة وقيام الإتّحاد السوفييتي. وبعد عامٍ أقامت خلاله بين فنلندا والسويد، تمكّنت العائلة من الوصول إلى فرنسا حيث استقرّت هناك، ولتبدأ من هناك مسيرة إيرين نميروفسكي الأدبيّة مع نشرها لبعض القصص القصيرة ورواية الإلتباس (Le Malentendu) عام 1926، والتي تلتها رواية العدوة (L’Ennemie) عام 1928، قبل أن ترسل عام 1929 مخطوط روايتها الثالثة دافيد غولديه (David Golder) إلى الناشر برنار غراسيه. وقد حقّقت هذه الرواية شهرةً كبيرةً وجعلها من أهمّ كتّاب وكاتبات الثلاثينيّات في فرنسا. غير أنَّ الحرب العالميَّة الثانية كانت وبالًا على نميروفسكي، شأنها شأن معظم يهود أوروبا وقتها، بحيث أدت إلى انتزاع بيتها في باريس ومن ثمّ حياتها. صحيحٌ أنّها لم تعش التهجير الجماعي كغيرها، إلّا أنّها رأت ذلك بعينيها من ملجئها في قرية مورفان، قبل أن يجري ترحيلها إلى معسكر أوشفيتس في يوليو عام 1942، حيث توفّيت عقب إصابتها بمرض التيفوس في 19 يوليو 1942 قبل أن تكمل روايتها الأخيرة متتالية فرنسيّة (Suite Française).
******