أنا امرأةٌ ضعيفةٌ جدًّا - شذراتٌ منسية لكريستين سليمان
23-11-06
بهاء إيعالي
الحبُّ والألم - إدفارد مونك (النروج)

استهلالٌ سريع - بهاء إيعالي:

 

في الأوَّل أغسطس من عام 2023، أي اليوم الذي يوافق الذكرى الثامنة والعشرين لميلاد كريستين، اتَّصلت بي شقيقتها رندة من الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة بعد انقطاعٍ طويل، وأخبرتني أنَّها عثرت، من بين ما تركته الراحلة، على دفترٍ صغيرٍ أحمر كتبت فيه يوميَّاتها في الأيَّام الأخيرة لها، كذلك على بضعة أوراقٍ تضمَّنت عبارات كتبتها باللغة الهنغاريَّة (والتي كانت تجيدها بحكم دراستها لها)... في هذه اليوميَّات أوردت كريستين بعض الشذرات التي كانت ترتجلها، والتي لطالما رأيت فيها شيئًا من الشاعريَّة، بل ورأيتها شعرًا خالصًا (مع العلم أنَّها كانت لا تحبُّ الشعر)، فأردتُ وضعها في هذا الكتاب تخليدًا لذكراها... أمَّا الأوراق الهنغاريَّة فقد استعنت بمترجمٍ في السفارة الهنغاريَّة في بيروت ليترجمها لي، وأتمنَّى، من كلِّ قلبي، أن يكون قد أجاد إيصال المعنى الذي كانت كريستين تريد قوله.

الشذرات

الحب؟ لا أعرف كيف أعبِّرُ عنه لك؛ لكنّني، وأثناء نومِكَ بجانبي، أضعُ يدي فوق جبينِكَ لأتأكَّد أنَّه بارد.

***

لطالما كنَّا نسمع عن رائحةٍ غريبةٍ اسمها رائحة الموت... أنا لا أشمُّها فقط، بل أشعرُ أنَّها تنبعثُ منِّي.

***

في قلبي
يتنزَّه الدم ويضيِّع اتجاهاته
ثمَّة عمرٌ يرغبُ بالمزيد من التفاصيل
والقليل من الوقت.

***

قليلةٌ هي الأمنيات التي تتركها أصابعك تنسلُّ منها لتلتصق برأسي، وما من شيءٍ أقلّ منها سوى تلك اللحظات التي يكون لديك أمنيات.

***

وكمن يبحثُ عن رصيفٍ فارغٍ ليمشي عليه العاشق وحبيبته إلى جانبه، أبحثُ عن موطئ قدمٍ لائقٍ لكَ يا حبيبي، تزرعُ فيه أثرٌ لقدمك، تتجمّع حوله المياه وفوقه تمرّ رائحة المنثور فيما يحمرّ لون البلاط.

***

في الحب
أو في الحب الذي أعرفه أنا
لا يزور العشاق الحدائق
ولمّا ينتهي تزورهم في مناماتهم فيكبرون.

***

بين الجدران الأربعة للغرفة

ثمّة أنينٌ متقطّعٌ يصدره شخيرك
شخيرُ ثورٍ أجهده الفلاح
وحده قلبي السقيم جعله أغنيةً طفوليَّةً أنامُ عليها.

***

أتدري ما الفرق بين اللون والتلوين؟
حتَّى أنا لا أعرفه، كلُّ ما أقوله هو ألَّا تغيِّر لون شعرِك البنِّي.

***

الخيط الرفيعُ بين الحياة والموت لا ينقطع
ثمّة موسيقى تنشدها اللحظاتُ ساخرةً.

***

وجهي الشاحب لا ينظر في المرآة إلا ليحنِّط بعض ملامحي قبيل موتي.

***

يداك، يداك الطويلتان، طريق ابتسامتي الأخيرةُ.

***

تراني مبتسمة؟ الإرهاق يتمرّن على الضحكِ أيضاً.

***

خوف الحبيب ليس في لحظة اللقاء
بل في تأخُّرها.

***

ما كنتُ أراه لمّا التقطت عيناي ذاك الإحمرار في غروب فيلم Gone with the wind ليس جسد فيفيان لي المثير ولا منظرُ غروبٍ في مخيّلةِ شاعرٍ أرعن، بل حرارة الفراش إلى جانبكَ لما عدتَ كمهزومٍ من الحرب.

***

شارعٌ متجهّم
أبنيةٌ دون ظلال
ومارة يفكّرون بموعد صلاة العصر ووجبة الغداء.

***

لو ولدتُ
مدينةً فارغة
شارعاً فارغاً
دكاناً فارغاً
بنايةً فارغةً
بيتاً فارغاً
رأساً فارغاً
جسداً فارغاً

***

مات الرب عاش الرب
مات الدم عاش الدم
مات الوجه عاش الوجه
مات القلب عاش القلب
مات البار عاش البار
مات الجار عاش الجار
مات النهر عاش النهر
مات الدُكَّنجي عاش الدكنجي
مات البحر عاش البحر
مات الصياد عاش الصياد
مات الحمار عاش الحمار
مات السائق عاش السائق
مات الجزَّار عاش الجزَّار
مات المغنّي عاش المغني
مات الطفل عاش الطفل
مات الحبُّ عاش الحب

...

مات.. عاش
وأنا لا عمل لي سوى تعداد المغادرين والقادمين.

***

هذه المدينة لا أراها سوى ملعب كرة قدم شوارع.

***

لم يكن جدّي يحبّ الشعر، قضى عمره في الحديث عن وجه عشيقته في المقهى الجبليِّ قائلاً: "وجهها انشوى ليغني كل ليلةٍ فوق الصخور".

***

جيل التسعينات – جيلي وجيلكَ يا حبيبي – ولد أعمى
أما ما يراه
فمحض صورٍ فوتوغرافيّة ضيّعها الله ونسيها في عيونهم.

***

يحدّثني دولابٌ محترقٌ عن زمن جوعه، بأنّه لم يأكل من الإسفلت شيئاً منذ تراكمت النفايات على الأرصفة فانتحر.

***

الميناء مليء بالقمامة
النورس جائع
السمك نافقٌ على الشواطئ
رغم ذلك أبتسم لك، فالجائع تشبعه زيتونة.

***

يدوي صوت ملحم بركات في صارية السفينة حاداً كيدي في الشتاء، فيما جبل القمامة الرابض قبالة كتفي قطعة خراء تكبر وتصغر حسب موعد المطر.

***

في أحشائي وجهٌ آخر لك
لذلك أمسِّد بطني بيدي
لأمسحَ عنه بؤس وجهِك.

***

هذه الليلة انتبهت أن شعر ابطي لم أحلقه منذ زمن
بل تركته، سقيته
لتنبت منه أيادٍ أخرى.

***

أجل
أنا امرأةٌ قويَّةٌ جداً
سحبتُ ياطر باخرةٍ مجنزرة
مددت لها الوسطى والتقطت معها صورة سيلفي،

أجل
أنا امرأةٌ ضعيفةٌ جداً
سحبتني تلك الباخرة
انتبهت لذلك يوم قادني الحرّ نحو الجبل
لأجد جسدي يتصلّب كحراشف سمكةٍ ميّتة.

***

عمري راكضٌ كفيلمٍ قصيرٍ يتحدّث عن آخر كأس ويسكي في حانة القبطان.

***

"وعدني اطلع ع بالك، مش منّو...[1]"

***

 


[1] وكانت هذه العبارة آخر ما كتبته قبل رحيلها بلحظات، بحيث أرَّختها في 6 نوفمبر 2015، الساعة 7:-- (لم يمهلها القدر لحظةً لتكتب التوقيت كاملًا)