مدونة الشاعرة | آلاء فودة
23-12-21
الورشة - فريق التحرير

 

1| بعد هذه الإنهيارات من حولنا، كيف تنظرين إلى موقع الشّعر لناحية ضمور الأساطير المؤسّسة لأوطانها وخواء المشاريع السياسيّة فيها؟ 

 

كتبت الشعر في عصر ما بعد ثورات الربيع العربي حيث سقوطٌ آخر للسرديات الكبرى لكنه سقوطٌ سريعٌ ومدوٍ تتفتت على صخرته الأيدولوجيات والقوميات يتحول الهتاف الصارخ للجموع لصوتٍ خافت يفتش في أناه ويبحث داخله عن النجاة من صراعاته وألمه ومشاعره، الاحتماء بالجماعة في مواجهة الديكتاتور تحول إلى الفردية والعزلة في مواجهة الذات، الشجاعة المطلقة أمام السلطة الغاشمة ثم العودة إلى الإنكفاء على النفس لتقشير جروحها والشجاعة في رتقها مرةً أخرى، وعوض الإلتفاف حول قضيةٍ كبرى صار لكلٍ منا قضيته وحكايته التي لابد أن تُحكى، وكان عندي ما يُحكى وما أريد أن أشفى منه لربما كانت حكايتي الصغيرة شارة هداية لمن يأتي بعدي ليؤسس سرديةً كبرى تعتني بالإنسان وبنائه، كل ما آمله من الشعر أن يأتنس غريبٌ لحكايتي ويقول: (هذا أنا، لست وحيداً، أحدهم مر على جرحي وسجله، لست غريبا فأنا أشبه العالم).

 

 

2| كيف تفسّرين علاقتك كشاعرة بالمدينة/المدن؟  كيف يكون الشّعر ابن مدينة ؟

 

لا أرى الشعر بمعزل عن المدينة الذي يُكتب فيها بل أحيانا تكون الطبيعة هي المحرض الأساسي على الكتابة؛ ولدت في مدن جمالية بشكل مذهل النهر والبحر والزرع كل ما أتذكره عن طفولتي كان ساعات التأمل الطويلة في السماء لمراقبة أسراب الطيور المهاجرة، الحركة المنتظمة للموجات الصغيرة على صفحة النيل، والمشي لساعات طويلة في مساحات خضراء شاسعة، كلما بدأت نصا استرجعت من الماضي شكلت الطبيعة مفرداتي وخيالي، انتقلت للمعيشة في بلد عربي يفتقر لكل هذه المقومات كان بلدا صامتًا كأنه مرآة رأيت فيها نفسي ومخاوفي وجروحي وعلى غير ما توقعت ساعدني هذا الهدوء في الكتابة وفي تفكيك ما أفكر فيه بدون تشتيت وبعيدا عن عجلة الحياة السريعة التي أحياها في مدينتي ولا تعطيني فرصة لالتقاط خط الكتابة.

 

3| إلى أيّ بُعد تذهبين خلال كتابة الشّعر؟ ما هو طوطمك الشّعري أو بالأحرى طقوسك في الكتابة؟

 

لا طقوس لي في الكتابة ولا أعتقد أن الشعر ابن التحضير المسبق، الشعر يشتعل فجأة ولا ينتظر منك سوى أن تلتقط فتيله، لطالما سمعت عن الكتاب الذي يحددون وقتا يوميا للكتابة طقوسًا وأعرافًا زوايا للكتابة وأكواب من الكافيين، لكنني لم أجرب أبدا أن أفعل ذلك بالأحرى ليست عندي هذه الرفاهية ولا الوقت، الشعر يتدفق وأنا في العمل وأنا في الطريق وأنا في المطبخ، يعلو صوته فوق كل ضجيج، لا معاد له ولا يمكنني توقع إلى أين سيذهب بي لكنني أنتظره كحبيبٍ غائب وأستقبله كل مرة كأنها المرة الأولى التي أكتبه فيها وحين أنتهي منه أعتقد أنها المرة الأخيرة التي سيزورني فيها، وبين كل مرة وأخرى أعيش ألم الخوف من فقدانه.

 

4| كيف تنظرين كشاعرة إلى الموت، مع سهولة حدوثه وغياب أثره وغوص ضحاياه في النّسيان؟

 

حين أنظر للموت لا أتذكر الشعر كل ما يعنيني وقتها ألا أترك مشاريعا مفتوحةً للكتابة، أرجو أن يزورني الموت في الوقت الفاصل بين كتابةٍ وأخرى أن يمهلني حتى أنهي كتابتي لا أحب أن يطلع الورثة على فكرتي غير المكتملة، الكتابة غير المنتهية فضيحة، ولا يعنيني النسيان لأن القيمة تفرض نفسها مع الزمن حتى لو طالت المسافات.

 

5| كيف تتعاملين مع اللّغة في شعرك؟ في زمن التحوّل نحو الكتابة الموجزة الإلكترونية، كيف تصنعين مفرداتك وصُوَرك الحيّة وسط هذه التغيّرات السّريعة؟

 

 أستخدم اللغة كأداة للتعبير وليست غاية ورغم أنني أحب اللغة العربية تراكيبها وموسيقاها وضجيجها الممتع إلا أنني حين أكتب أحاول أن أتخلى عن كل هذه المتع وأنتصر للشعر فقط للمعنى الخالص دون زخرفة لغوية للصورة الثاقبة دون إمدادٍ موسيقي يجعلها أجمل، للمشاعر التي تخترق القلب بأبسط التراكيب اللغوية ولا أجد غضاضة في استخدام اللغة كما هي في حياتنا اليومية، أحيانا لجأت لوضع كلمة إنجليزية داخل نص لأن مرادفها بالعربية لن يفي بالغرض، وأحيانا وضعت جملة عامية لأنني رأيتها الأقرب لروح النص، في الحقيقة تعلمت المرونة مع اللغة رغم أنني قادمة من خلفية كلاسيكية تتعامل مع اللغة بمنطق النص المقدس وأي محاولة لتخفيفها كأنك طعنت في شرف الموروث.

 

6| حدّثينا عن علاقتك بأقرانك من الشعراء، هل يتّسع عالمك لشعراء آخرين؟

 

أحب أصدقائي الشعراء حتى لو لم يحبونني وأحرص على القراءة لهم حتى لو قاطعونني بالحظر/ البلوك، أرى أن الشعر ينتصر في النهاية فوق كل شيء، أكثر ما يفرحني أن تكتب صديقة لي معنى يدور في عقلي ولم أستطع صياغته وقتها أفتخر أننا تشاركنا الشعور ذاته، أحفظ قصائد لأصدقائي وأتذكرها دائما لأنني آتنس بها.

 

7| ما الذي تتوخينه من قارئك: التّضامن، الإعجاب، أن يحبّك، أن يحبَّ نفسه من خلال نصّك؟ وما الذي تريدينه أنت من الشّعر كقارئة  له هذه المرّة؟

 

ما أريده من القارئ وما أصبو إليه أن يجد نفسه على الورق أن يتلاشى عنده الشعور بالغربة أن يتعاطف مع نفسه ومشاعره ويعلنها لأن غيره سبقه وأعلنها، أتمنى أن يصبح لي مئات الأصدقاء من القراء حتى لو لم نتقابل حتى لو لم تجمعنا مدينة حتى لو جاءوا بعد موتي كما حدث معي كقارئة للشعر أنقذها الشعراء من الوحدة والشعور بالغرابة والخوف، وأتمنى أخيرا أن يظل الشعر شعرا، أن يخرج الشعر من الغرف والندوات المغلقة للجمهور دون أن يُبتذل أو يفقد قيمته.