1| لمن توجه خطابك السردي؟ لماذا الرواية تحديدا وهل هي ما يطلبه الجمهور أم نحن ككتاب نوجهه كي يكون مطلوباً؟
بالنسبة لي.. لا يمكن أن يكون الخطاب السردي قصدياً, أو موجهاً باتجاه ما, أو لأحد محدد, أو لنمط محدد, هو ليس فروضات ولا قياسات.. وإلا سيكون محدود المردود والنفع ومخالف لما هو فني. الخطاب السردي هو منتج فني إبداعي في قصة أو رواية, أو غير ذلك من الأشكال أو الأنماط الإبداعية المتعددة, وقد يكون افتراضيا انه يتوجه إلى أحد ما.. هذا ما قد يكون قائما في دماغ المتلقي, أكثر مما هو قائم في ذهن المنتج. المنتج عموماً إن كان حراً من الداخل في قضية إنتاجه أو سرده, لن يهتم بأحد لن يكون معنياً بمن سيقابله النص أبداً. بل عليه أن يطلق منتجه حرا في فضاء حر. بعد ذلك ليقابل النص بمشيئته من يقابل, يتساوى في ذلك الكائن البشري وغيره على سطح الكوكب. نحن الكتاب في علاقتنا مع السرد يفضل أن لا نكون تجاريين أو نفعيين. من الأفضل أن نكون فنيين, أن نحلق فوق الحالة النفعية مبتعدين عنها تماماً. ربما رؤيا من هذا القبيل تُقابل برفض كبير. إذ.. أن الجميع تقريبا يرومون نفعا مباشرا, أجراً مالياً, أو سلطة.. أو غير ذلك.. وفي هذا أحد مقاتل الخطاب السردي الروائي.
2 | إلى أي مدى تعيش الروايات وهل قارؤها الحالي يختلف عن قارئها بعد مائة عام؟؟
الروايات تعيش في مرحلتين.. في المرحلة الأولى تعيش في ذهن المؤلف, في أروقته وأوراقه ومختبره الفردي أو السري إن شئت. ويكون حوار الشخصيات حكرا على المؤلف. الذي عليه أن يجد أسلوبا لبقا ومبتكرا للتعايش مع شخصياته طيلة فترة تأليفها. ليس مجازفة أقول تأليفها.. أجل الروائي يؤلف شخصيات, رغم أن ادعاءات الروائيين وتخرصاتهم غير ذلك. وهنا احتمالية موتها قائمة, وهذا ما يقرره المؤلف لا غيره.. هل يمضي في تأليفه أم يتوقف؟؟
المرحلة الثانية أو الحياة الثانية, هي بعد انجاز العمل وهنا ستعيش الرواية ولن تموت حتى لو مات منتجها. وستعيش حتى لو اجتمعت جيوش لقتلها. أعطيك مثلا بسيطاً.. في عام 1997 تقدمت برواية ( سكّر الهلوسة ) إلى دائرة الرقابة في اتحاد الكتاب من اجل الموافقة على طباعتها. كانت الردود من الرقابة وتعليقاتها على المخطوط صادمة حقيقة. ولم تكن تطالب بقتل الرواية فقط. بل بقتل الروائي نفسه, أي بقتل علي عبدالله سعيد. وهذا ما أثار رعبا في الأوساط الأدبية التي اطلعت على قذارة الرقابة على المخطوط. ما دفع بناشرين للابتعاد ليس عن المخطوط فقط.. بل عني أنا ايضا كمصدر خطر محتمل. وهاهي الرواية تصدر اخيرا منتصرة على فيلق من الظلاميين في اتحاد الكتاب. بعد 37 سنة من كتابتها. الرواية العظيمة برأيي هل التي تقاتل جيشاً من الأقنان أو الأجراء الرخص في الدوائر الثقافية أو السياسية على حد سواء. أما بالنسبة للقارىء لا أهتم كثيرا لا بوجوده ولا بطريقة قراءته, وما أظنها ستختلف عن الطريقة التي نقرأ بها الآن
3| هل ترعبك الكتابة بوصفها واقعا وحقيقة وتعرية كاملة للأفكار والسلوك والتفاصيل أم انها مجرد خواطر كاذبة؟
الكتابة لا ترعبني أبداً, بل على العكس تماماً.. انها تمتعني. هي فعل متعة واكتشاف, سلوك متعة ولذة تعايش مع كائنات وأفكار قد تنتجها بمفردك, وقد تستعين بحياتات لآخرين في اكتشافها. أي كتابة يمكن أن تكون كتابة خواطر, أو كتابة بسيطة ماعدا كتابة الرواية. هي كتابة من نوع آخر مبني على التعقيد شئت أم لم تشأ. لأنك تؤلف مصائر وأمكنة وأزمنة. وبشر وحيوانات بالأهمية ذاتها كي تنتج نصاً, أو سبيكة أغلى من الذهب بكثير. التفاصيل في الرواية عموما هي معادن مختلفة, لكل معدن رنين خاص به, أنت المؤلف عليك أن تشكل من ذاك الرنين غير المتآلف.. سمفونية خاصة بك. تستطيع أن تطربك أنت.. وليس مهماً أن تطرب الآخر. كائنا من كان هذا الآخر..
4| هل مازلنا بحاجة للقالب الكلاسيكي في الكتابة الروائية؟
الكتابة الروائية بالمعظم في الوطن العربي, لم تخرج بعد من القالب الكلاسيكي. ربما هناك بضع طفرات روائية غادرت القالب الكلاسيكي إلى غير عودة. وهناك ربما بعض طفرات تحاول مغادرة النمط الكلاسيكي لكتابة الرواية. مغادرة النمط يعني من جملة ما يعني, الخروج من المنطقة الآمنة أو المستقرة, والتي تعني قبول الجميع لك واحتفالهم بك مع كل رواية جديدة تكرر فيها أدواتك وعوالمك مع استبدال اسماء الشخصيات أو الأبطال سمهم ما شئت, إلى المنطقة غير الآمنة. أي منطقة التجريب ومحاولة اكتشاف مناطق مجهولة في محيط الرواية. لم تعتد عليها الذائقة غير النامية أو المتطورة إلا ببطء شديد جداً. يبدو لي أن الروائي دائماً مأخوذ أو مفتون برأي المتلقي ودرجة قبوله. وهذا ما يحجمه أو يردعه عن المغامرة. بمعنى ما.. الروائي جبان جدا وحَذِر ويخاف من أن يفقد أهمية.. من أهمياته. التي يعتقد أنه جناها بالتقادم الزمني ..
5| كيف تنجز بصمتك؟ البصمة أم المشروع أولى كمنجز للروائي وهل مازال أمامنا متسع للتجريب؟؟
البصمة التي يمكن لك أن تنجزها أو تحققها, هي لحظة كسر الخوف, لحظة تكسير القوالب المتبعة, واتخاذ قرار فعلي بقتل الأب في السرد الروائي, وتنفيذ ذاك القرار دون تروٍ, أي قتله في مصيرك الروائي الفردي, في تجربتك الروائية الفردية المفترقة كليا عن تجربته الروائية, وليس بالضرورة أن تمسه كصنم منجز. يمكنك تركه مسترخٍ على كرسيه, حتى لو حاول تصويب نيرانه عليك, وهو ما سيحدث بالتأكيد. المنجز الروائي المغاير هو.. بصمة. والبصمة المختلفة في لغة الرواية, في صيرورتها هي.. انجاز. الانجاز هو في اقتراف الجرأة على المنجز سابقاً, في تخطيه مع احترامه بالتأكيد. صحيح أن الرواية, أو المنجز الروائي, لا يمكن أن يموت عبر الزمن. لكنه من الصعب أن يبقى متسيداً عبر الزمن. دائما هناك بصمات جديدة, وانجازات جديدة, وهذا ما تقتضيه طبيعة الخلق الروائي. أي عدم الوقوف عند حد أو منجز سردي لغوي سابق.
6| في تجربتك الروائية هل تتحدد البنية الهيكلية للنص أثناء أم بعد أم قبل البدء بانجاز النص واي الطرق تخطط للولوج بها الى عملك الفني واي قانون يحكم ممارستك لمهام الكاتب في الرواية وعلاقتك بضمير الراوي
في الكتابة, أو في التجربة الروائية, أنا لست مهنيّاً, الكاتب المهني كاتب ميت في النمط. بهذا المعنى أنا كاتب هاوٍ. يبني تجربته على الاستمتاع بالتجربة, أو بالمغامرة.
في الكتابة الروائية المهنية. ستعمل وفق برنامج زمني, وفق سلم لغوي كنت قد حددته مسبقا مع بدء تجربتك. في الكتابة المهنية يلزمك مسطرة كي تمنح الشخصيات قدرا متساويا من الأهمية أو الاهتمام. أو المساحات الورقية في العمل. في الكتابة الروائية بالنسبة لي هذا نوع من أنواع البؤس في الإنتاج الروائي. أي أنه مرهون بآخرين.. قراء.. مؤسسة.. نقاد.. وغير ذلك. أي كتابة مرهونة بآخرين هي كتابة بائسة, ومردودها ضئيل وشحيح, ويدخلنا في النمط, والنمط قطيع, القطيع يلغي الفردية. العملية الإبداعية ما لم تكن عملية فردية. لا يمكنني التعويل عليها أبداً. تخيل انك تكتب رواية كي ترضي الشيوعيين أو البعثيين أو الإخوان المسلمين.. أو فيلقا من النقاد.. مثلاً. هذا بؤس روائي أكثر مما هو إنتاج روائي. كتابة من هذا القبيل تستدعي مخططا كتابيا مأجورا سلفا. وتستدعي أن تسير على الصراط المستقيم. مشكلتي مع الصراط المستقيم مشكلة كبيرة. أنا أحب أن ابتكره.. لا أن أسير عليه. أعطيك مثالاً بسيطاً. حين كتبت اختبار الحواس التي حازت جائزة الناقد للرواية عام 1993كنت انتظر امرأة في كافيه, تأخرت ولم تأت, بغتة وجدت نفسي أكتب رواية عن ديكتاتور اللحظة في الراهن السوري آنذاك. وهذا ما يتكرر دائما في تجربتي الروائية. اعتمد على الطارىء وليس على المخطط. لست مهندساً ميكانيكياً, يهمني أن أصيد الطارىء وليس فصيلا من المصفقين البلهاء.
7| هل نجحت في انجاز خطوة حقيقية على طريق ترسيخ نموذجك الروائي.. اذكر لنا ما هي الخطوات التي يمكن أن ينجزها الروائي كي يشعر انه أضاف لمكتبة لغته؟؟
المنجز الروائي لدي لا يسير سير الولد المطيع. انه سير الولد الضال, العاق, الذي تستهويه الخمارة, وبيت الشبهة, وتكسير صورة الزعيم في الشارع. هو منجز ينبي على اللحظة, على الآن, على لغة خاصة بي وحدي كما أظن, أو كما يقر بذلك الجميع قراء ونقادا وغير ذلك وأشباهه. في السرد ليس لدي نص يشبه الآخر, وليس لدي نص يشبه نصوصا اخرى عربية أو غير عربية, أو يستخدم اللغة ذاتها التي استخدمها آخر من قبل. كل نص له لغته, طريقة سرده, طالما كان لدي شعور بانني مختلف, طالما عزز هذا الشعور القراء والنقاد معاً. لا بد أنني افترقت عن المُنجز الروائي, وبما انني افترقت عنه إلى هذا الحد, لا بد انني أضفت شيئا جديدا إلى هذا المُنتج. أهمه انني أعيش وأكتب في الواقع الروائي, وليس في المتخيل التاريخي للروائي الذهاني الباهت. ومن اهمه ايضا أنني متخلٍ عن.. كان.. في السرد. هذه الـ كان التي تؤبد النمط. وتوفر على الروائي عناء التجريب اللغوي فيما يمكن أن يكون.
أجريَ هذا اللقاء لمناسبة صدور روايته الجديدة "سكّر الهلوسة" عن محترف أوكسيجين للنشر