فرضيات حول أصل العروض الشعري وعلاقته بالغناء الجاهلي
24-01-11
فادي العبدالله

 

يعتبر أغلب من كتب في هذين الموضوعين أن أصل "الغناء العربي" تطور عن حداء الإبل في حين تطور "الشعر الجاهلي" عن الرجز. ولئن كان هذا غير مرفوضٍ عقلاً إلا إنه لا يفسر الثروة الإيقاعية التي درسها الأستاذ خالد جبران في كتابه "آذان إلى بحور العرب"، مع إلماحه إلى اختلافات جهوية ومراحل وسيطة أثرت في تركيبة البحور وصولاً إلى ما استقر منها في الآخر. كما أن الاكتشافات الأثرية للكتابات العربية الأقدم، بحسب ما درسها الباحث حكمت درباس في دراسته "ما قبل القصيدة الجاهلية" (ضفة ثالثة، العربي الجديد، في جزئين في 15 و16 مارس 2018)، لا تشير إلى انبثاق الشعر موقّعاً بالأصل، بل تشير إلى كونه أقرب إلى شذرات ثلاثية غير متطابقة تماما وإن كان فيها أحياناً شيء شبيه بالسجع(1). فلعل الأوفق الظن إن هذا الشعر الأقدم تطور عندما التقى بشعر موقّع من ثقافة مجاورة (اليمن في رأي درباس) أو إضافة إلى ذلك، في رأينا، بروز حاجة إيقاعية إلى الترنم به فصار أكثر استقراراً في إيقاعه.

فما وصل إلى سيبويه، آخر الأمر، هو كون الشعر (على ما نعرفه) وضع أصلاً للغناء والترنم مثلما يذكر في الكتاب، وهذا يؤثر حتى في طريقة التلفظ به، فبعض القبائل (بحسب سيبويه في "الكتاب" وابن رشيق في "العمدة") كانت إن روت الشعر دون الترنم لم تمد في قوافيه أو تنونها.  وكذلك قال ابن عبد ربه: "وإنما جعلت العرب الشعر موزونا لمدّ الصوت فيه والدّندنة، ولولا ذلك لكان الشعر المنظوم كالخبر المنثور"، حتى صار فعل "تغنى" مرادفاً لصناعة الشعر(2) . وبيّن إن هذه الدندنة لا بد أن يكون فيها شيء من الوزن الإيقاعي، وإلا لكان بالإمكان مد الصوت بالنثر أيضاً.

فإن كان هذا القول بعض حق فلا بد من تتبع العلاقة إذن ما بين الشعر الجاهلي وغناء تلك الفترة. فيرى فارمر مثلاً، في تأريخه للموسيقى العربية (ص. 24 وص. 63 من الترجمة العربية)، إن أصل غناء الشعر الجاهلي يربط إيقاعه بإيقاع التفاعيل (وفي رأينا فإنه على الأرجح ارتبط أيضاً بإدخال الفواصل بين الشطرات وبين الأبيات، وبالمد النغمي في القوافي في أواخر الأبيات خصوصاً) وليس بالإيقاع الموسيقي على ما سيحصل لاحقاً بعد الإسلام إما مع عزة الميلاء أو في أقوال أخرى مع طويس. فلننظر إذن إلى أقسام الشعر والغناء الجاهليين.

 

أقسام الشعر الثلاثة

لقد كان الأقدمون، بحسب ما ينقل عن كتاب القوافي للأخفش، يقسمون الشعر إلى ثلاثة أقسام: قصيد ورجز ورمل (وهذان الأخيران غير بحري الشعر اللذين تشاركا معهما في الاسم لاحقاً).

وقد كان البعض يعرّف الرجز (ومعناه اللغوي في الأصل الارتعاد والارتجاف والقلقلة) بأنه كل ما كان على ثلاث (ويقصد أنه على ثلاث شطرات) ـ دون تحديد وزنه ـ ويترنمون به في سوقهم ويومهم وأعمالهم ويحدون به(3) ، والبعض يخرج الرجز أصلاً من الشعر، على ما نقل "لسان العرب" عن الخليل من أن الرجز أنصاف أبيات وأثلاثها، وكان البعض يرى أن الراجز أقل قدراً من الشاعر، حتى لَيسخر بأصحابه أبو العلاء المعري في رسالة الغفران قائلاً إن "الرجز لمن سفساف القريض"، ويُفهم من ابن منظور إنه يقال أسرع وأخف من القصيد ـ وهذه السرعة وجه الشبه بالرعدة والرجفة.

وأما القصيد فهو القطع الطويلة "المقصّدة" (والقصد في الأصل اللغوي الانكسار والانشطار، أي إن شطور أبياتها قد تمت) على البحور الشعرية التامة، وهي ما يتغنى به الركبان والفتيان. ولعل الإشارة إلى الركبان إنما كانت لطول الرحلة عليهم مما يجيز إلقاء القصائد الطويلة، ومثيل ذلك ما يورده جواد علي في "المفصل"، ج. 9 ص. 116، من أن أهل الأخبار قالوا "إن العرب كانت تتغنى بالركباني، إذا ركبت الإبل، وإذا جلست في الأفنية"، أي على خلاف العجلة المترافقة مع الرجز.

وأما الرمل فهو ما سوى ذلك، أي عملياً القطع القصيرة غير المكتملة الأوزان كالمجزوءة والمخلعة. ونلاحظ في القول المنسوب إلى الأخفش ربط القصيد والرجز كليهما بالترنم، وإن اختلف "مكان" الترنم بين الترحل للأول وموقع العمل للثاني. في حين إن تعريف الرمل هو تعريف بالخلف، فهو ما لم ينتم إلى أي منهما، وينسب البعض إلى الأخفش قوله إن عامة المجزوء يجعلونه رملاً دون اعتبار لوزنه العروضي.

 

أقسام الغناء الثلاثة

هذا التقسيم الشعري الثلاثي شبيه بتقسيم ثلاثي آخر هو تقسيم الغناء الجاهلي، حيث يُروى عن إسحاق الموصلي أن الغناء الجاهلي كان على نَصْب وسناد وهزج، لكن التقسيمين لا يتطابقان على ما سنرى.

فالنصب هو غناء الركبان والفتيان (والقينات في قول منسوب إلى ابن الكلبي)، وهو أصل الحداء كله (وقد رأينا أن الرجز كان يستعمل في الحداء)، "وكله يخرج من أصل الطويل في العروض"، بحسب ما نقل عن إسحاق. والسناد وهو "الثقيل ذو الترجيع الكثير النغمات والنبرات"(4)  أي الذي فيه مدّ صوتي (ترجيع) وصنعة نغمية ويشترط أن يكون على الإيقاعات الست الأصلية (التي قال الكندي إنها كالجنس لسائر الإيقاعات) أي الثقيلين الأول والثاني والرمل وخفائفها. وأما الهزج فالخفيف المرقص(5)  .

لكن هذا القول ينبغي أن يؤخذ بقدر من التحفظ إذ إن تلميذ إسحاق، أي ابن خرداذبه (في كتاب "اللهو والملاهي" على موقع مصادر الموسيقى العربية) يذكر أن النصب تفرع عن الحداء فصار "الغناء كله" وانقسم إلى ركباني (وهو ربما ما احتفظ اسحاق له باسم النصب) وسناد ثقيل وهزج خفيف.

ويبدو أن حديث عمر بن الخطاب مع رياح بن المعترف الفهري (برواية نائل مولى عثمان بن عفان) يشير إلى قسمة مشابهة وإن كانت غير متطابقة تماماً، تميز بين الحداء والنصب وقد أجازهما عمر، وغناء القيان (ولعله هو السناد الثقيل) الذي اعترض عليه فقال لرياح الذي يؤديه "كف فإن هذا ينفِّر القلوب". وعمر نفسه من روي عنه إن الغناء زاد المسافر، أو قال "نعم زاد الراكب الغناء نصبا". كذلك نعلم من الأحاديث عن أصحاب الرسول من المهاجرين خاصة إنهم كانوا جميعاً يتغنون بالنصْب (على ما ينقل الفاكهي في "أخبار مكة" (6) ).

أما قبل ذلك، فما كان للعرب بحسب الأصفهاني إلا الحداء والنصب "وذلك جارٍ مجرى الإنشاد إلا أنه يقع بتطريب وترجيع يسير ورفع للصوت"، في إشارة واضحة إلى أن المد والتزيين قليلان في الحداء والنصب، وإن زادا عن الإلقاء العادي بتنغيم بسيط.

إضافة إلى ذلك فإننا نعلم من أخبار كتاب الأغاني أن الغناء الحجازي كان بداية مقتصراً على النصب والنوح، حتى العهد الأموي، وأن ابن سريج أول من استعمل الأرمال والأهزاج، ضداً على نده الغريض الذي اشتهر بالنوح. ونلاحظ هنا أن وجه الشبه في هذه الأرمال المرقصة قد يكمن في كون الرمل في مفهومه الجاهلي مرتبا على بحور غير مكتملة، مجزوءة أو مشطورة أو مخلعة، تولد تجريباً أو تعدداً إيقاعياً وتنوعاً مختلفاً عن القصيد الأفخم والأثبت إيقاعاً.

ويشير لسان العرب إلى ارتباط النصب بالحداء، إذ يقول إن النصب نوع من الحداء إلا أنه أرقّ أو إنه حداء يشبه الغناء، وفي ظننا إن تطوره اللاحق هو السبب في الإضافة التي يذكرها ابن منظور: "وقيل: هو الذي أُحْكِمَ من النَّشِـيد، وأُقِـيمَ لَحْنُه ووزنُه". ومن الدلائل على بدايات تحول النصب في الفترة الأموية إلى فن أعقد من النشيد البسيط (الذي لم يتطور لحنه ولم يقم "وزنه" وهو هنا يقصد على الأرجح إيقاعه)، إشارات الأصفهاني نقلاً عن كتاب الطنبوريين لجحظة إن أحمد النصبي، نديم عبيد الله بن زياد السريّ، والي يزيد بن معاوية، كان أوّل من غنّى الأنصاب على الطنبور وأظهرها وسيّرها، أي شهرها ونشرها. أي إنه أول من ابتدأ بنقل تراث أقدم إلى آلة موسيقية وافدة، ويضيف الأصفهاني إن له "صنعة كثيرة حسنة لم يلحقها أحد من الطّنبوريّين ولا كثير ممّن يغنّي بالعود"، وهي إشارة إلى اعتبار أن ضاربي العود اعتُبروا أرقى صنعة من الطنبوريين.

 

النصب إنشاد القصيد والسناد بداية الغناء المتقن

ولعل الفرضية الأكثر معقولية، في ظننا، هي أن النصْب، أي غناء الركبان والفتيان والقينات، كان في الأصل هو "الغناء كله"، متطوراً من الحداء (وهو يفترض إيقاعاً بسيطاً مستمراً لتتبعه الإبل ويحثها على المسير بسرعة) الذي كان يستعمل فيه الرجز أي الترنم العَجِل القصير، فتفرع عنه السناد الذي يستخدم البحور الشعرية التامة (وربما كان هذا معنى كونه يخرج "من أصل الطويل" بحسب إسحاق ـ أو لعله كان يقصد دائرة الطويل بحسب الخليل وعليها شطر ضخم من القصائد الجاهلية ـ لأن الطويل لا يأتي إلا تاماً وهو أحد أشهر البحور المكتملة وعليه بحسب بعض إحصائيات الباحثين نصف ما وصلنا  من قصائد الجاهلية. ويعزز هذا الاعتقاد ما يورده لسان العرب إن النصْب في الشعر هو أن تأتي القافية تامة البناء سليمة من الفساد في الشعر التام غير المجزوء). أما الرمل فقد ظهر في مرحلة لاحقة واستتبع بدوره غناء جديداً راقصاً سمي بالهزج (وهو في اللغة السرعة والخفة، وهذا ما يربطه على نحو ما بالرجز السريع) وبالأرمال (والرمل والهزج كلامهما سيصير لاحقاً أسماء إيقاعات في المرحلة الأموية والعباسية المبكرة).

ويكون أن النصب في الأصل مرتبط مباشرة بإيقاع التفاعيل الشعرية بترجيع يسير (أي بمد بسيط للصوت فيه)، ولم يتحول إلى "الغناء المتقن" إلا مع بدايات العصر الأموي على ما نفهم من كتاب الأغاني مع أسماء مثل عزة الميلاء وابن مسجح وابن محرز وطويس وغيرهم. وهذا "الغناء المتقن" هو يسميه إسحاق إذن باسم "السناد" على ما يلوح لنا من المواصفات التي أضفاها عليه. ومثلما كان للنصب معنى في الشعر(7) ، فإن السناد في الشعر هو المخالفة وفساد آخر الشعر والقافية، فيبدو لنا أن سبب تسمية السناد هو إدخاله مخالفة على عادات العرب في تقطيع الشعر ورفع العقيرة به. ويكون إن الإيقاع الموسيقي، في الغناء المتقن الذي تطور بعد ذلك وصولاً إلى العصر العباسي الشهير، لم يتفرع عن التفاعيل العروضية، بل اصطدم بها إلى حد تسميته باسم "فساد الشعر" وإلى حد إغضاب الفقهاء وطردهم إياه من الإجازة إلى الكراهية بل والتحريم.

ومما يعزز ما نذهب إليه، في شأن النصب والسناد، تمييز البعض مثل ابن عبد البر(8)   ما بين رفع الصوت بإنشاد الشعر، ويضع هذا ضمن "غناء الركبان، وغناء النصب، والحداء"، مما يبيحه السلف بينما يكرهون "الغناء بتقطيع حروف الهجاء ، وإفساد وزن الشعر، والتمطيط به طلبا للهو والطرب وخروجا عن مذاهب العرب" (وهو ربما سبب التسمية اللاحقة باللحن، أي الخروج عن سلامة القواعد) وهو ما يكاد يكون وصفاً للغناء المتقن المتأثر بموسيقى الأروام والفرس على ما أورد ابن رشيق، بينما على النقيض منه يكون غناء الركبان والنصب ـ وهما واحد بحسب ابن عبد ربه في الياقوتة الثانية من عقده الفريد ـ أكثر التزاماً بإيقاع الشعر الأصلي وتفاعيله وإلقائه.

فالنصب إذن في تقديرنا غناء سابق للغناء المتقن الموّقع موسيقياً والمتحرر من إيقاع التفاعيل، وهو بالتالي الغناء الذي ينطبق عليه القول المنسوب إلى الجاحظ والذي مفاده أن " العرب تقطع الألحان الموزونة على الأشعار الموزونة، والعجم تمطط الألفاظ فتقبض وتبسط حتى تدخل في وزن اللحن فتضع موزوناً على غير موزون". ويوضح ابن رشيق ان قول الجاحظ ينطبق على الغناء قبل دخول الطنابير، أي على غناء أقدم من عصر الجاحظ نفسه، فالنظريات حول الغناء العباسي تدل على خلاف ما ذكر الجاحظ إلا إن كان مقصده بعض غناء القبائل العربية البعيدة عن مراكز التفاعل الحضاري والتأثر بموسيقات الأقوام الآخرين الذي ولد غناء متقناً يدخل عليه المد والتجزيء والتأليف.

 

النصب مضمار الشعر ومفتاح الوزن منغّماً

ولعل هذا النصب هو بالضبط الغناء الذي كان "مضمار الشعر" بحسب بيت حسان بن ثابت (تغن بالشعر إما كنت قائله/إن الغناء لهذا الشعر مضمار) ومعيار سلامة الشعر الذي به تزن العرب الشعر على قول عبد الله بن يحي الذي نقله المرزباني في كتاب الموشح، وحسب القصة التي يرويها أيضاً عن النابغة الذبياني، وكان ربما ضرورة "لإقامة الوزن" بحسب ابن عبد ربه (9)  . فإن القاء الشعر دون ترنمٍ بحسب الكلمات وتقطيعها لا يسمح بداهة باستشعار وجود كسر في الوزن أو غيابه. إلا أن إلقاء البيتين أو أكثر على لحن واحد، أي فحص توافقهما في الزمن وفي النبضات الإيقاعية التي تتمحور أساساً حول الوتد المجموع في التفاعيل، سواء سباعية أو خماسية، يسمح بمعرفة افتراقهما أو اتساقهما الإيقاعي (10) .

وفي ظننا أن النصب، أو ربما أصله الأقدم، كان مجموعة من الألحان المرجعية أو الجمل الموسيقية البسيطة التي تقبل التكرار ويمكن أن يحصل فيها تلاعب صوتي قليل. وقد يكون أقرب مثال لها حال الزجل في بلاد الشام حتى يومنا هذا (وبعض أوزانه تنتمي في الواقع إلى البحور الخليلية)، تشكل نوعاً من المفاتيح الإيقاعية أو الجمل اللحنية التي تنظم وتقاس عليها الأبيات الشعرية كي تحافظ على استمرار وزنها الإيقاعي دون كسر.

ولعل طريقة التنعيم (ووردت أحياناً "التنغيم" بالعين المعجمة) التي يقال إن الخليل بن أحمد سمعها في المدينة المنورة قبل وضع "علمه العروضي" في سياق بحثه النغمي على ما قد يفهم من الجاحظ (11) ، أي تحفيظ الأولاد أوزان الشعر بألفاظ "لا لا نعم"ـ وطريقة "المتير" التي أوردها ثعلب كانتا كلتاهما في الواقع طريقة واحدة هي تنغيم اللا والنعم (أو ما يوازيها) بمعزل عن وضع كلمات معقولة لها، باستخدام ألحان موروثة. ولدينا مثال لا يزال حياً على نظم الزجالين أبياتاً على بحور شعرية خليلية كالوافر والبسيط، أو غير خليلية. ومفتاح قدرتهم على النظم والارتجال إنما هو حفظهم أنغام القرادي والمعنى والشروقي والميجانا والعتابا كي ينظموا عليها. واستخدام النغم مقياساً ومفتاحاً لتركيب الكلام عليه شائع في الأمم ومن قبيله القدود ومعارضات الموشحات رغم أنها أعقد نغمياً. والانتشار الإقليمي لمثل هذا المفتاح "الإيقاعي المنغّم"، والاختلاط ربما بأقوام أخرى (وتالياً بموسيقات مختلفة)، ربما كان يوضح سبب انتشار بعض الأوزان والتجارب الشعرية في مناطق معينة من الجزيرة أيام الجاهلية أكثر من مناطق أخرى (بحسب خالد جبران، ص. 52 ثم ص. 291 وما يليها).

وهذا المفتاح البسيط، بفحصه مواضع الضغط الإيقاعي المتمحور حول الوتد والقيمة الزمنية للأبيات، يسمح أيضاً بفهم أسباب قبول الأذن الجاهلية لبعض الزحافات ورفض أخريات. إذ يبدو أن الوتد المجموع في أصل التفاعيل كان يحافظ على دوره الإيقاعي ولا تدخله الزحافات. أما في "حشو" الأبيات (أي خارج نهايات الأبيات وهي التي كان يمكن للمد الصوتي فيها أن يعوض عن التزام إيقاعي محدد) فكان الزحافان الأساسيان الأشيع والأكثر قبولاً فيه هما تحويل حرف متحرك إلى حرف ٍساكن (كمثل تحويل متفاعلن في بحر الكامل إلى مستفعلن) أو حذف الساكن (كما في مستفعلن في بحر البسيط التي قد تتحول إلى مفاعلن بحذف الساكن الأول أو مفتعلن بحذف الساكن الثاني). ذلك إن هذين الزحافين بالتحديد لا يؤثران في الأداء المنغّم تحديداً، فالقيمة الزمنية للحرف الساكن يمكن أن تكون مساوية لقيمة الحرف المتحرك، وأما حذف الساكن فيمكن تعويضه زمنياً (في الإلقاء المرنم أو عند فحص الشعر للنظر في كسره) بإطالة الحرف المتحرك الذي يسبق موضعه (كمد الميم الأولى في مــفاعلن، أو التاء في مفتــعلن(12) ، أما غير ذلك من الزحافات فقد يبعدنا عن الأصل الإيقاعي أكثر مما كانت الأذن الجاهلية تستسيغه. أخيراً فإن نهايات الأداء كانت على الأرجح ممدودة مفتوحة غير مضبوطة إيقاعياً بنفس المقدار ـ ومثل هذا التعويض اللفظي والتطويل في القفلات موجود في زجل بلاد الشام حتى اليوم ـ مما يسمح بقبول عللٍ تصيبها تختلف عن زحافات الحشو.

وقد أشار إلى ذلك مسكويه، مميزاً أيضاً بين الإنشاد على السلامة (أي الالقاء البسيط) وبين الإنشاد على النغم، مشدداً على وظيفة النغم في ضبط الوزن الشعري، في رده على سؤال أبي حيان التوحيدي (في "الهوامل والشوامل") موضحاً أولاً اختلاف الذائقات الإيقاعية مع اختلاف الأزمنة والأمكنة، وثانياً إن استساغة الإيقاع الشعري عند الأقدمين ارتبطت بكونهم "يجبرون بنغمات يستعملونها مواضع من الشعر يستوي بها الوزن. ولأننا نحن لا نعرف تلك النغمات إذا أنشدنا الشعر على السلامة لم يحسن في طباعنا (...) وهذه سبيل الزحاف الذي يقع في الشعر مما يطيب في ذوق العرب وينكسر في ذوقنا".

 ولعل خالد جبران على حق في انتقاده مسكويه لجهة اختيار لفظة "جبر" وكأن الزحافات تشكل كسراً للإيقاع، في حين إنها ضرورة حيوية للإيقاع الشعري ومخيلته على ما درس باستفاضة. لكن هذا لا يمنع من أن نأخذ بعين الاعتبار وجود تعويض زمني للزحافات عند الترنم بالشعر(13)  (وهو المضمار الأساسي الذي يبحث بواسطته عن وجود عيب أو لا في وزن الأبيات) وليس عند إلقائه غير مرنم. وهو ما نظن أن خالد جبران لا يعارضه بدليل إشارته رغم الوزن الذي يمنحه لدور الزحاف في البلاغة الإيقاعية الجاهلية، إلى أن النظم اعتماداً على طريقة التنعيم أو ما شابهها "لا ينفي، بالضرورة، كونهم تعلموا الموازين بواسط ألحان مرافقة" (ص. 85) (14) .

 

قدرة الخليل التحليلية

إذا كانت العرب، قبل الإسلام وقبل الخليل، تعرف أن للشعر أوزاناً وأنواعاً وأقساماً، وكانت لها على الأرجح أسماء مخصوصة لكل ذلك (على ما روي من حديث الوليد بن مغيرة "قد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه، وقريضه ومبسوطه ومقبوضه...") وأساليب للتثبت من وزن الشعر وغياب كسوره، وأنواع من الأداء له، فما كان دور الخليل بن أحمد الفراهيدي إذن (15) ؟

مع الأسف، لم تصلنا كتابات الخليل في شأن العروض مباشرة، وإن نقل عنه البعض أخباراً وشذرات متفرقة، وليس لدينا دائماً تبريرات واضحة لسبب اعتماده أسماء معينة لبحور الشعر ولأنواع الزحافات والعلل، خاصة أن بعض هذه الأسماء كان مستعملاً بمعاني أخرى قبله (16) . لكن الجانب العظيم في ما أتاه ربما كان القدرة التحليلية والتقعيدية، أي تحليلَ ممارسةٍ مضمرةٍ ومنتشرة ومستبطنة (وأغلب الظن أن أصل المفاتيح الإيقاعية المنغمة كان قد فقد في عهده) واستخراج التفاعيل الإيقاعية الأصلية من آلاف الأبيات التي تنتشر فيها أنواع الزحافات والعلل، واستبعاد المحاولات الإيقاعية غير المكتملة لبعض الشعراء، ومن ثم تنظيم الاستثناءات (وهذه لا تتيحها طريقة التنعيم الثابتة) على أصل هذه التفاعيل في لائحة محددة مما هو مقبول (وأحياناً شائع) وغير شاذ، واكتشاف الروابط الإيقاعية المضمرة بين البحور المنتمية إلى ما أسماه دوائر أو سلاسل (ككون البسيط مثلاً انزياحاً بالمقارنة مع الطويل، اللذين تضمهما إلى المديد دائرة أسماها المختلف) وإن ألجأته الرغبة النظرية في الاكتمال المنهجي إلى "اختراع" أصول لبحور شعرية لم تصلنا صورها الأصلية بل لم يجر استعمالها إلا مع "استثناءات" بحسب نظريته كالمجتث والمضارع والمقتضب مثلاً.

ولعل هذه النظرة التحليلية الفائقة هي أبرز ملامح العبقريات التي نجدها في تناول الخليل للعروض، والكندي للإيقاعات، والفارابي للإيقاعات والنغمات والتأليف بينها، وقدراتهم جميعاً على عزل مواضيعهم عن التزيدات والتزيينات والحليات والاستثناءات، التي لا مفر منها في أي فن، بحثا عن البنى الأساسية العميقة فيه.

 


 

 
 

الهوامش

[1] يورد الباحث عدداً من النماذج منها

"فيفعل لا فَدى ولا أَثْرَى

فَكُن هنا يبغِنا الموت ولا أبغاه

فَكُن هنا أداد جُرْح ولا يددنا"

وتفسيره لهذا النص القديم:

يفعل (المرء ما بوسعه)، لكن هيهات! فلا هو فدى نفسه ولا حقق ثراءً

فكن هنا (في الوغى). فإن ابتغانا الموت، فلا منحه الله مبتغاه

فكن هنا (في الوغى). فإن تقرّح الجرح، فلا أسلمنا الله للقروح.

ومنها

" فحلوله مِ حَرْب           فهَيَّوْم هنا آخر حلول

رأس ذِكْرَة                  فَهَيَّوْم هنا آخر حلول

عَني من خَصَف            فَهَيَّوْم هنا آخر حلول"

والمعنى بحسب رأيه : فليكن حلوله من أجل الحرب (فقط)

وليكن هذا اليوم هنا آخِر حُلول

(إنها) قمة الشُهرة             

وليكن هذا اليوم هنا آخِر حُلول

بئس من استتر                          

وليكن هذا اليوم هنا آخِر حُلول.

ويلاحظ الباحث أن هذه النماذج ليست موزونة على أوزان العروض التي نعرفها وإن كان فيها نوع من التناظر والتكرار والقوافي. ورأيه أنها تختلف عن القصيدة العمودية التي يرى أنها ربما نشأت لاحقاً في وسط الجزيرة العربية وجنوبها، ربما بتأثير من الشعر اليمني القديم الذي يورد نماذج منه ملتزمة بالقافية وبتناظر الوحدات الإيقاعية، ومن ثم انتشرت في بقية مناطقها فإلى بلاد الشام قبيل الإسلام.

2- وقد ورد في الشعر والشعراء، لابن قتيبة، قول أبي النجم يصف قينة:

تغنّيْ فإن اليوم يومٌ من الصّبـا / ببعض الذي غنّى امرؤُ القيس أو عمرو

 فظلت تغنّي بالغبيط وميلـه / وترفع صوتا في أواخره كســـــــرُ

وقد توسع كثيرون في ارتباط الشعر بالغناء منهم جواد علي في "المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام"، حيث يورد إنهم "قالوا: تغنى بالشعر، وفلان يتغنى بفلانة إذا صنع فيها شعرًا" (ج. 9 ص, 106، موقع المكتبة الشاملة). ومنهم أيضاً د. شوقي ضيف في "تاريخ الأدب العربي ، العصر الجاهلي"، ص. 189 (موقع المكتبة الشاملة)، حيث يشير نقلاً عن كتاب الأغاني إلى تغني الشعراء بشعرهم، مثل السليك بن السلكة وعلقمة الفحل والأعشى. وإن كنا نعثر في كتاب شوقي ضيف على هنات متفرقة منها اعتباره الصنج الذي اشتهر به الأعشى هو الجنك الفارسي، بينما الأصح إنه آلة إيقاعية فالصَّنْج الذي تعرفه العرب هو الذي يُتخذ من صُفْر يضْرَب أَحدهما بالآخر، أي من صفائح نحاسية، وهي غير ذات الأوتار، ومنها ربطه غناء "النصب" بالأنصاب أي الأوثان الدينية، وهذا مجرد تشابه لفظي (فالأنصاب هي ألحان النصب على ما يفهم من حديث أحمد النصبي في كتاب الأغاني) ولا دليل على ارتباطهما بل الأدلة كثيرة على ارتباط النصب بالحداء على ما سنرى، وهذا بعيد تماماً عن التغبير والترنم الدينيين، ومنها أيضاً ربطه النصب بالمراثي والمناسبات الحزينة، وهذا مبني ربما على تحريف وقع له في احد الكتب، إذ النص المنسوب إلى اسحاق يستخدم مفردة "المرائي" بالهمزة، اسماُ آخر مرادفاً للنصب ومثله "الجنابي"، ولا يستخدم لفظة المراثي.

3- ويذكر الأصفهاني في الأغاني عن حديث ابن جريج وابن تيزن المغني أن الرجز هو الحداء، كما يورد في حديث الأغلب،  وهو من المعمرين الذين أدركوا الإسلام، عن ابن حبيب أن العرب كانت تقول الرجز في الحرب و الحداء و المفاخرة و ما جرى هذا المجرى، فتأتي منه بأبيات يسيرة، فكان الأغلب أول من قصّد الرجز، أي أول من أتى بالأراجيز الطوال.

أما خالد جبران في "آذان إلى بحور العرب" فيميز بين الشعر "الرسمي" المتناقل بين جميع القبائل، وبين الرجز الذي يعتبر أنه كان "الشعر الشعبي، الأكثر التصاقاً بلهجة القبيلة ذاتها وبشؤونها اليومية والعادية، ومن هنا لم يتناوله الشعراء المحترفون" (ص. 51 ـ 52).

4 ويبدو لنا أن السناد بمواصفاته هذه سيصبح في صيغة مطورة الغناء المتقن الحجازي والعباسي بحسب مدرسة إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق، فيما ستبدأ مدرسة أخرى هي مدرسة إبراهيم بن المهدي بالحذف منه وتخفيف كثرة النغمات والنبرات والانتقال من صيغة "باروكية" شديدة الزخرفة والصنعة إلى صيغة أبسط وأكثر رقة وإثارة للعاطفة. تدلنا على ذلك إشارات الأصفهاني في الأغاني إلى أن إبراهيم بن المهدي أول من أفسد الغناء القديم "فكان يحذف نغم الأغاني الكثيرة العمل حذفاً شديداً ويخففها"، وكان بعض تلامذة إبراهيم الموصلي، مثل مخارق وعلّويه، يوالون ابن المهدي ضد ابن استاذهم، وهم ومعهم ربما الطنبوريون من أدخلوا نغمات فارسية وربما خراسانية مساهمين في انتقال السلالم من الإطار الفيثاغوري الحجازي الذي سار عليه الموصليون إلى سلالم ترد فيها وسطى زلزل وهي الثالثة المتوسطة التي صارت أساسية في موسيقانا مثل بعد درجة الراست عن درجة السيكاه اليوم. ويذكر ابن عبد ربه أن مخارق وعلّويه قد حرفا الغناء كله، "فإذا أتاهما الحجازي بالغناء الأول الثقيل قالا: يحتاج غناؤك إلى فصاده"، أي إنه كثير النغم يحتاج تخفيفاً مثل فصد الدم. بدلاً من ذلك، تكثر الروايات عن بكاء المستمعين إلى مخارق وعدم إمساكهم أعينهم لرقة غنائه وعذوبة صوته، حتى قال له أبو العتاهية "لقد رققت حتى كدت أحسوك" أي عذُب حتى كاد يشربه. وكان إبراهيم الموصلي يقول إن "الغناء على ثلاثة أضرب: فضربٌ مُلْهٍ مُطرِبٌ يُحرِّكُ ويستخفُّ، وضربٌ ثانٍ له شجًى ورقَّةٌ، وضربٌ ثالثٌ به حكمةٌ وإتقانُ صنعة"، ولا يخفى إنه يشير إلى مدرسته بالحكمة والاتقان.

5  تجدر الإشارة إلى أن الهزج، كإيقاع معروف في العصرين الأموي والعباسي، كان يتميز عن الإيقاعات الواردة في وصف إسحاق للمستعمل في السناد، لكون الهزج هو ما سار على نقرات متساوية بدون فواصل، فهو "إيقاع موصل" بتعبير الفارابي ومن تبعه، ومن هنا يمكن فهم ارتباطه بالرقص الذي لا يكون إلا على إيقاع موصل بحسب الفارابي أيضاً.

6 فينقل قول ابْنُ الزُّبَير: " وَأَيُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ أَسْمَعْهُ يَتَغَنَّى بِالنَّصْبِ ؟" (فصل: ذكر قول أهل مكة في السماع والغناء في الأعراس" من كتاب "أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه").

7 نلاحظ مجدداً ظواهر الاشتراك اللفظي لمعانٍ مختلفة، فللسناد والنصب معانٍ في الشعر كما في الغناء، وكذلك حال الهزج والرمل كبحرين شعريين واسمين لإيقاعين ونوعين من الغناء.

8 في "التمهيد" ج. 22 ص. 197، و"الاستذكار" ج. 8 ص. 240، والكتابان متاحات على موقع المكتبة الشيعية.

9 في الياقوتة الثانية من "العقد الفريد" حيث يقول إن الشعر أحوج من القرآن والأذان "لإقامة الوزن"، ولا شك أن هذا صدى لمقولات أقدم هو لها ناقل، لأن التلحين في زمنه كان قد انفصل عن إيقاع التفاعيل.

10 وهنا تتبدى العبقرية الفائقة لبعض فحول الشعراء الجاهليين، أي في قدرتهم على تأليف أبيات تجمع الاتساق الإيقاعي بحسب البحر الأصلي، وابتكاراتٍ إيقاعية بليغة ومتعددة جداً تغني "الدراما" الشعرية في مطولاتهم كمثل امرئ القيس الذي أفرد له كتاب "آذان إلى بحور العرب" مساحة ضخمة لدراسة ابتكاراته العبقرية هذه. ولعل ازدواج طريقة القاء الشعر، أي امكان قوله مرنماً وغير مرنم، هي ما سمح بتوسيع خيال الشعراء وقدراتهم على التلاعب بالإطار الإيقاعي بخلاف زجل بلاد الشام الذي لا يكاد يلقى غير مرنم إلا حديثاً جداً، في حين سبقت مصر إلى ذلك وسبق شعراؤها العاميون إلى توسيع إطار الشعر العامي بشكل هائل بفك ارتباطه عن الترنم الثابت والأوزان المحفوظة التي كان الزجل ينظم على أساسها من قبل.

11  يروي الجاحظ في مقدمة رسالته عن "طبقات المغنين" (واردة في كتاب الرسائل الأدبية، على موقع المكتبة الشاملة) إ مسألة ابتكار الخليل للعروض في معرض الإشارة إلى أن الخليل كان أول من سعى إلى وضع علم للغناء "وفهم علله وأسبابه ووزنه وتصاريفه"، وأنه بعد أن اتم العروض، كمرحلة أولى في سياق محاولته فهم الغناء على ما نظن، بدأ في " تفسير النّغم واللّحون، فاستدرك منه شيئا، ورسم له رسما احتذى عليه من خلفه"، مشيراً بالذات إلى اسحاق الموصلي، وهذا ربما يشرح لماذا كان اسحاق يعتبر أن الخليل هو صاحب الفضل الأصلي في رسم قوانين الإيقاع.

12  وقد تركت لنا دواوين الشعراء بعض الأمثلة على مثل هذا المد الضروري لإقامة الوزن، كقول عنترة بن شداد : "ينباع من ذفرى غضوب جسرةٍ/ زيّافة مثل الفنيق المكدم" وقد :أراد ينبع فأشبع الفتحة لإقامة الوزن فتولدت من إشباعها ألف" على ما يقول الزوزني في شرح المعلقات السبع، ويضيف مثالاً آخر هو قول إبراهيم بن هرمة "من حيثما سلكوا أدنو فأنظور" وقد أراد "فأنظر"، وقد ردت أمثلة أخرى، منها قول الفرزدق أورده السيوطي في "الأشباه والنظائر" : "تنفي يداها الحصى في كل هاجرة/ نفي الدراهم تنقاد الصياريف" وأراد "الصيارف"، وسوى ذلك من أمثلة. ونرى أن مثل هذا المد، الذي كان يحصل ما يشبهه في مواضع أخرى عند الترنم الموقّع بالشعر أي في النصب، لم يكن ليكتب في هذه الأمثلة إلا لكونه حاصلاً في مواضع لا تجيزها الزحافات المعتادة المقبولة عندهم فاضطروا إلى تدوينه تنبيهاً لئلا يعتبر كسراً للبيت. فلو كان بيت عنترة مثلاً في قصيدة من بحر الرجز لا من بحر الكامل لما كان من حاجة لكتابة "ينباع".

13 يشابه هذا أيضاً ما يورده خالد جبران أيضاً ص. 63، في شأن إسهام اللحن في حفظ التراجيديات الإغريقية المكتوبة على أوزان "مقطعية" (أي غير متساوية النقرات) من خلال استخدام المد وإضافة النغم من أجل "موازنة العدد غير الثابت للنقرات" بين الأبيات المختلفة.

14 وهذا أيضاً رأي شوقي ضيف (ص. 191) الذي يقول إن "الغناء كان أساس تعلم الشعر عندهم".

15 بل يبدو من كلام الفراهيدي نفسه أن العروض، أو صيغة ما منه، كانت سابقة عليه. ففي كتاب العين (باب العين والضاد والراء معهما، على موقع المكتبة الشاملة) يذكر الخليل بن أحمد أن "العروض عروض الشعر لأن الشعر يعرض عليه (...)، والعروض تؤنث والتذكير جائز". فهو لا ينسب العروض إليه، ولو كان له لكان اختار أحد خياري التذكير والتأنيث ولم يذكر أنها تؤنث وتذكر، ما يدل على أن آخرين هم من كانوا يؤنثونها ويذكرونها.

16 ينقل المرزباني في المقتبس (ويورده الحافظ اليغموري في مختصره ص. 71 من طبعة 1964 المنشورة بفسبادن بتحقيق رودلف زلهايم) فقرة عن سؤال الأخفشِ الخليلَ عن أسباب إطلاقه هذه الأسماء على بحور الشعر، لكن الإجابات في معظمها غامضة ـ فالرمل يشبه رمل الحصير (ولا يذكر أرمال الموسيقى رغم أن الخليل كان عالماً بالموسيقى والإيقاع)، والطويل كذلك لأنه تام الأجزاء، أما الكامل فلأن فيه ثلاثين حركة (يعني الحركات دون السواكن) والمضارع لأنه ضارع المقتضب (ربما يعني في قلة الاستعمال) ـ أو هي انطباعية كانسراح المنسرح وخفة الخفيف ولو انعكس لما كان مستهجناً. ولسنا ندري لم كان الرجز يضطرب كأرجل الناقة الرجزاء بينما الهزج يضطرب كهزج الصوت. لكن يبدو من كل ذلك غياب الرابط مع تسميات سابقة عليه سواء أكانت من أفق الشعر أو من اصطلاحات أهل الموسيقى والغناء.