ليست وجوه رنا علّوش وجوهها وحدها. إنّها وجوهنا جميعاً، تُصبح لنا ونصير فيها عندما ننظر إليها ونتصفّحها على الفايسبوك. وهذا الانتقال منها إلينا وإن كان تفاعلياً سريعاً عبر تقانة حديثة فهو لا يوحي أبداً أنّه آنيّ وعابر. ليس انتقالاً سلساً ولا هو يبدو دليلاً مُنجَزاً. هذا لأنّ رنا ترسم الخرائط في الوجوه مَدخلاً للحظة التّلاقي مع الذات. الوجوه تنظُر وتُحرّك عملية التّرائي وتباشر تشكيل مسارات التّماهي والتّعرف. لا تستنزف هذه الوجوه الوقت. سرعان ما نستهدي. إنها هي وجوهنا في هذه اللّحظة التي تجمعنا، شاخِصة في خراب قاتم ومُفتِّت. هكذا تعمل رنا، تضعُ وجوهها المشغولة أمامنا كاداة تعريف وعبور. تحديد للّحظة وإحاطة بها ومسار انتقال إلى ما بعدها . ما نحن عليه الآن وما يُمْكن أن نكون عليه فيما بعد. هكذا تُشَكّل رنا في الزمن وفي المكان عبر الوجوه.
الوجوه هذه تبدو كأنّها إشارات مُكاشفة لما تركه فِعلُ الرّاهن وثقله. فيها تظهر آثار التئام الشّكل بعنفٍ مع مكوّنات اللّحظة. ولكنّ المُعاينة تُستدرجُ سريعاً إلى تخطي الرّاهن من خلال التعامل مع الطّارئ فيه والتّسليم في وطأته والامتثال له ومن ثمّ النّظر إلى ما بعده. في وجوه رنا لحظتان تعتملان: نحن هنا وهكذا نحن الآن ولكنّنا سنصير. اللّحظة التّالية ستأتي وسنكون. هكذا، ترتئي لنا رنا تظهير إمكانية ما يلي كحاصلٍ للوقوف في كنفِ الرّاهن وللنّظر من خلال لانهائية الأقدار فيه واعتمالاتها في وجوهنا.
وفي هذا يبدو هذا التّشكيل كانّه يتردّد بين بابين يطرحهما الشّكل والتجريد: باب السّؤال الكبير عن ماذا نحن، ماذا كنّا، كيف وصلنا إلى هنا، ماذا تكون الهيئة التي علينا أن نكون عليها في هذا الزمن إذا ما أردنا أن نكون. وباب خلاصٍ، وهو نَظَرٌ للانتقال إلى لحظة ما بعد السّؤال. نوع من التّأكيد أنّنا سنصير. فالوجوه تبدو في تنصُّبها في مدى النّظر كشخذٍ للتسويف. هذا تشكيل للقابلية، للإيمان بشيئ سيأتي. فهذه الوجوه لا تَعْبُرُ جرداء، بل تقف شاخِصة ومعها أشياؤها في مكونات اللّحظة. وجوه لها أثاثها وتوابعها، تُشكّلها رنا كمساحة تجميع للزّمن السّائب لتثبّته وتُحصيه. قصاصات ورق، ونتف جرائد، وأثر مظروف رسائل، وكُحل سائح، وتورُّد وجنة تعبة، وندبة من هنا مثبتة بعقدة خيط، ورداء، وكوب ماء، وغيْم ومَطر وعيون حاضرة تنظر إلى أشياء الزّمن هذا لتصير فيه وتصنعه. الوجوه تقول نحن كل هذا الجمع المكسور ولكنّنا سنصير. وفي هذا مُجاهرة كبرى بصناعة الامل عبر مُجابهة القدر وتذكير بالوجود كإمتداد إلى اللّحظة التالية.
وفي التّذكير بالإمكانية في هذا التّشكيل تتقدَّمٌ الذّاتية على العدم بخطوة في زوايا النّظر. فاقتراح رنا يبدو كانّه تذكير يذهب إلى أنّ الوجوه تستطيع أن تصنع وجودها. فالذّاتية المُؤَثّثة بآثار الزّمن ترشَحُ أطياف إرادةٍ تتصلَّب في النّظر. تُحاول بلورة جوهر يعيد الإعتبار لامكانيّة الوجود. اقتراحٌ مُغامِر يدفع بالشّكل كجوهر يُضيء الوجود وسط الهباء. هو احتيال على العبث، فيه يظهر نوعٌ من المزْج بين إصرارعلى تظهير الوجوه كمساحة انعكاس لما تتركه عمليّة التّحول وبين استدعاء النّظر إلى أفق ما بعد اللّحظة. هكذا نحن نظهر في الزمن ولكنّنا سننظر فيه لنصير.
هذا التّركيب بين جوهرة الشّكل والنّظر لما بعد هو مُحاولة لتحيِيْز الحضور في اللّحظة ولقطع الطّريق على فوضويّة التّاريخ. وهي محاولة ترمي للتّذكير بفكرة التّواجُد في الزّمن حتى وإن كان هذا سابق على تصريف هذه الفكرة في السّياسي. هذه الوجوه بتموضعها في نقطتي الحاضر والإمكانية تبدو كانّها محاولة قول في التّصالح مع القدَر، وهو تَصالحٌ يبدو لنا نحن من نعيش ما يشبه النّهايات وصفة قلّما تتوفّر في أوقات كهذه.