"سفينة الفلك ونفيسة الملك": الموشحات المشرقيّة ولغز الشهاب المستمر
24-01-27
فادي العبدالله

 

صدرت، عن دار العين القاهرية في اكتوبر العام الماضي، دراسة مصطفى سعيد عن سفينة الشيخ شهاب الدين محمد بن عمر بن إسماعيل الحجازي (ت. 1274 هجري/ حوالي 1857 م.) المعروفة، "سفينة الفلك ونفيسة الملك". وهي الدراسة التي قدمها الباحث في الربيع المنصرم لنيل شهادة الدكتوراه، فمبروك له ولكل فريق العمل المجتهد الذي دعمه في تحقيق هذا العمل الضخم، لا سيما في ظل مشاغل الباحث الكثيرة من عزف وتدريس ومشاريع وجوائز وحفلات. 

غير أن ضغط العمل والمشاغل، وقصر الوقت بين مناقشة الأطروحة وبين نشرها، ربما تسببا في عدم انفساح الوقت لتنقيح دقيق وعميق لها (على ضوء ملاحظات نحسب أن اللجنة لا بد أوصت بها). ونتج عن ذلك، في رأينا، مشاكل كثيرة ومتنوعة تؤثر كثيراً في قيمة هذا البحث ، في حين إن تلافيها ممكن، بينما تؤدي كثرتها في العمل إلى التقليل من نتائج الجهد المبذول فيه لأنها تبعث على الشك في موثوقية المعلومات والنتائج الواردة فيه.

ولا شك أن السفينة عمل يستحق دراسات كثيرة ومطولة، وكل دراسة لها تستحق الحفاوة. فالشيخ الشهاب، وسفينته، على ما يرصد الباحث، بقيا في صلب اهتمامات الباحثين والممارسين للموسيقى في ديارنا فترة طويلة. وبقاء شطر من الموشحات الواردة في السفينة حتى يومنا هذا (بفضل التسجيلات أساساً) مصدر بالغ الأهمية لدراسة موسيقانا وفهمها. لذا فإن إصدار هذه الدراسة عنهما يفرض أيضاً استقبالاً نقدياً لها وإيراد استداركاتنا عليها، كما يليق بالأعمال الأكاديمية، كي يتحسن، بالتدقيق والدراسة، فهمنا لهذه السفينة الهامة وزمنها وإشاراتها.

وحيث إن الباحث نفسه يكتب أن لا بد أن يأتي يوم "يصبح فيه هذا البحث بالياً من الماضي، وهذا عين بهاء وفخر البحث العلمي" (ص. 36)، وهو أيضاً من يطلب من القارئ "أن يستر العيب، ليس بإخفائه بل بكشفه وإظهاره" (ص. 833)، فإننا نحسب أن أمل الباحث منا هو تصحيح عمله بل وتجاوزه، ونظنه إذن سيتقبل بصدر رحب هذه الملاحظات، على كثرتها، رجاء أن يستفيد منها حال إصدار طبعة لاحقة منقحة من رسالته.

بعض هذه الملاحظات قد يكون شكلياً. فإلى جانب الأخطاء الطباعية الكثيرة والفادحة، حتى لا تكاد تخلو صفحة منها (حتى في تهجئة بعض الأسماء مثل العيدروس ويكتبها بالضاد في مواضع كثيرة وأسماء أخرى، بما في ذلك في صفحة الشكر)، هنالك حالات كثيرة من السهو (تكرار نفس الملاحظات على موشحين مثلاً في الجداول، في حين أنها لا تنطبق إلا على أحدهما، كما في حالة "هجرني حبيبي" ويا حلو اللمى"، أو كتابة "يكاه" بدل "سيكاه" في تصنيف سلسلة موشح "أفدي ثملاً"، أو كتابة "قرينة" في بنية موشح "يا حسن المعاني"، ص.385، والصحيح "قرينه")، والأخطاء اللغوية (كالإصرار على "بكاظمةً" بتنوين الفتح، ص. 119، والأصح تنوين الكسر إن كانت قد صرفت) والعروضية (كافتراض "دمع" بدل "مدمع"، ص. 108، بناء على الوزن، في حين أن الثانية هي التي تناسب الوزن في هذا الموشح بالمقارنة مع بيته الأول)، وما إلى ذلك.

إلا أن بعضاً آخر من الملاحظات قد يتركز أكثر على عمق العمل، أي التحقيق والتوثيق والتأريخ، قبل الوصول إلى التحليل ثم المنهج.

فالعمل يقع في مزالق عديدة بدءًا باختيار ووصف النسخ التي سيعتمد عليها. فللسفينة مخطوطات كثيرة وطبعات كثيرة قديمة (ومنها طبعة سنة 1281 هجرية التي بدار الكتب بالقاهرة والتي يحسب الباحث، ص. 70، أنها كانت تحت إشراف الشهاب، رغم كونه توفى قبلها بسبع سنوات تقريباً). غير أن الباحث يقدم صورة الطبعة الحجرية الأقدم (دار الوثائق بالقاهرة، وهي الصيغة الأساس التي يعتمد عليها، ص. 59) على أنها بخط المؤلف. وهذا خطأ غير مفهوم مطلقاً،  ففي نفس الصفحة يقول عن النسخة أنها بخط يد المؤلف وأنها طبعت في المطبعة الحجرية سنة 1273 للهجرة، وهذا واضح تمام الوضوح من الصفحة الأخيرة فيها التي يوردها الباحث ص 61. ولعل غلاف النسخة الذي كتبه من كان ربما صاحبها "لطيف بزي" هو السبب في الالتباس حيث يبدو أن بزي هو من حسب أن ما يمتلكه مخطوط بينما هو مطبوع. غير أن الطباعة الحجرية لا تستنسخ الخط كآلات التصوير اليوم. فهذه النسخة إذن ليست بأي حال بخط المؤلف، ولو دقق الباحث وفريقه فيها لانتبهوا إلى ذلك، بل هي مأخوذة عن نسخة المؤلف الأولى بعد تصحيحها وتنقيحها. وقد نقحها الشهاب على ما نظن أثناء عمله على نسخته الثانية (التي قد تكون بخط يده على ما يفهم من خاتمتها ومن ورود اختلافات فيها عن الأصل رغم انجازها بعد الاولى بسنة ونيف فقط) الموجودة في مكتبة باريس الوطنية، والعائدة إلى عام 1260 للهجرة. ولهذه النسخة أهمية خاصة لاحتوائها على اختلافات عن الأصل الأقدم (مثلاً في التعليق على موشح "نرى العقد" وبنية موشح "يا حسن المعاني" وفي خاتمة الكتاب). و معظم هذه الاختلافات (بما في ذلك إضافة ذكر نسب الشهاب في الفقرة الأخيرة التي لم ينتبه الباحث إلى غيابها عن النسخة المنجزة سنة 1261 هجرية، وهي النسخة الأقرب إلى الأصل الأول أي نسخة سنة 1259 هجرية قبل اكتمال تنقيحها) قد اعتُمِدت في الطبعة الحجرية المنجزة في حياة الشيخ الشهاب (التي يحسبها الباحث مخطوطة بخط يده). ومن المؤسف أسفاً بالغاً أن الباحث لم يرجع إلى نسخة باريس رغم كونها متاحة على الانترنت، ولو كان فعل لاغتنى البحث كثيراً بالملاحظات والتصحيحات المدرجة فيها ولسمح لنا ذلك بفهم مراجعات الشهاب لعمله وتدقيقه فيه. كذلك لا ندري لماذا لمْ يذكر الباحث حين أورد الأعمال السابقة على شغله (ص. 57) تحقيق د. محمود كحيل الأسبق (سنة 2010) لسفينة الشهاب نفسها.

وفي جانب التوثيق والتأريخ، نلاحظ غياب إدراج مراجع مهمة ضمن قائمة المصادر رغم ورود ذكرها في المتن أو عدم تحديد مكان وجودها، مثل "سفينة" محمد العطار الدمشقي مثلاً، التي يذكر في ثبت المراجع انها في مكتبة خير الدين الزركلي الخاصة، غير أننا لا نعرف أين هذه المكتبة اليوم، أو مراجع يذكرها ولا يوردها البتة في الثبت كحديث زكائي دده عن الشيخ شهاب. كذلك ولا نعرف هل اطلع الباحث على محاضر مخطوطة لـ"مؤتمر الموسيقى العربية" (وهو الاسم الرسمي المعتمد في كل المكاتبات الإدارية التي أوردها الكتاب، بخلاف استعمال الباحث لاسم "مؤتمر الموسيقى الشرقية" نقلاً عن بعض الصحف التي لا تتنزه عن الأخطاء، حتى في تركيا على ما ينبه رؤوف يكته منتقداً إياها ومشيراً إلى الاسم الرسمي للمؤتمر في كتاب مطالعاته حول المؤتمر ص. 14)، فهو لا يدلنا على مكان وجود هذه المحاضر. وينسب الباحث إلى هذه المحاضر (ص. 754) كلاماً للشيخ درويش الحريري عن "تلامذة الشيخ شهاب ومعاصريه، مثل سليمان النحاس ومحمد المقدم وأحمد الشلشلموني وغيرهم". لا ندري ما إمكانية التحقق من صحة هذا الكلام، فالشيخ الحريري نفسه لا يذكر من أساتذته في حواره مع مجلة مصر الحديثة المصورة، في يناير 1930، إلا الشيخين المسلوب والمغربي. ولئن كنا نجهل تواريخ وفاة المقدم والشلشلموني، إلا أن النحاس كان يغني مع عواد هو مصطفى الصيرفي، وقد ذكرهما في احدى قصائده (في ديوانه ص. 381) الشيخ إسماعيل الخشاب المتوفى سنة 1815، فيكون أن النحاس كان مغنياً مشهوراً قبل ولادة درويش الحريري (1880 تقريباً) بنحو خمسة وستين عاماً على أقل تقدير، ويكون، إن كان لا يزال حياً آنذاك، قد تجاوز المئة سنة حين بلغ الشيخ درويش سن المراهقة والتحصيل.

تجدر أيضاً ملاحظة الأخطاء العديدة في نسبة بعض الموشحات (مثلاً ينسب، ص. 414، موشح "زالت الأتراح" إلى ديوان الشاعر أمين الجندي بطبعة المكتبة الأنسية، مطبعة المعارف 1903، ولم أجده فيها ولا في طبعة المطبعة الأدبية 1891 م. وأصل اللبس على الأرجح هو أن هذا الموشح من جملة قطع نقلها الخواجه ابراهيم صادر، صاحب المكتبة العمومية في بيروت، وهو ناشر أقدم لديوان الجندي، سنة 1883 م.، وهو يقول صراحة في المقدمة، ص. 2، أنه أضاف إلى الديوان موشحات وقدود من سفينة "العالم الفاضل الشيخ شهاب الدين وذلك تتميماً للفائدة"، ومن بينها هذا الموشح وكذلك موشح "اجمعوا بالقرب شملي" الذي ينسبه الباحث للجندي أيضاً ص. 220، وهما ليسا لهذا الأخير)، والحاجة إلى اختراع وشاحين وهميين (مثل عبد الخالق السومي، غير الموجود والذي يفترض الباحث تالياً أنه يمني فينسب إلى اليمن موشحات كثيرة هي مصرية في الواقع، أو قاسم الأديب الذي يحسبه حلبياً وهو قاهري، وغيرهم). هذا في حين أن مراجعة المصادر المتعلقة بالقرن الثامن عشر ستكشف بدقة عن هوية هؤلاء الوشاحين، حتى حين لا تكون أسماؤهم مذكورة داخل الموشحات (وستكون لنا عودة مطولة في دراسة لاحقة إليهم وإلى سيرهم وعصرهم).

ومن جهة التوثيق أيضاً مشكلة إطلاق إشارات تأريخية بدون تدقيق فيها أو حجج عليها (كافتراض أن "الخفائف النجدية" تشبه الطقطوقة، ص.103، وهو ما تنفيه مثلاً مراجعة رسالة السيلكوني ـ ومخطوطها محفوظ بألمانيا ـ وهي المرجع الوحيد الذي عثرنا عليه حتى الآن الذي يقدم نماذج مفصلة عن قالب "الخفيف")، أو بأسانيد لا يمكن التحقق منها (في ص. 713 و714 كالإشارة إلى أوراق قد تكون مفقودة أو غير موجودة كانت في متحف الفن الإسلامي بحسب ما يروي، دون أن يقول متى وكيف عرف بمضمونها، أو إلى ما ورد في "الجوائب" لأحمد فارس الشدياق، أو في "الوقائع" المصرية، دون أن يذكر في أي عدد وأي تاريخ) ـ في حين أن التثبت من مثل هذه المراجع قد يكون مفيداً في إعادة النظر بعدد من الأمور.

فعلى سبيل المثال، يقول الباحث إن "شاكر الدمشقي"، الذي نعرف من سفينة الشهاب أنه زار مصر سنة 1820، قد "اشتغل بكشك الموسيقى"، في الأزبكية، الذي أنشأه "محمد علي باشا أثناء حكمه لمصر، بعد إنشائه المدارس العسكرية المختلفة". وهو يعتمد في ذلك على ما يورده عن "أوراق" بدون تعيين لها، يذكر أنها كانت في المتحف الإسلامي بالقاهرة قبل التفجير الذي حصل بالقرب منه، ولا يدري الباحث إن كانت لا تزال به أم لا. وهذا يناقض ما هو معروف من أن الأزبكية كانت بركة في عهد محمد علي حتى أمر بردمها الخديوي إسماعيل عام 1864 فأنشأ حديقة وأمر ببناء كشك للموسيقى فيها، ومن المعروف أيضاً أن محمد علي باشا نفسه كان رجلاً عثمانياً تماماً ولم يكن مهتماً مطلقاً بالموسيقى العربية بل بالموسيقى الاستنابولية وبمغنيها وموسيقييها (ومنهم أتراك وأرمن ويونانيون، يراجع مقال "التخت الموسيقى لمحمد علي" للدكتور جمال عبد الرحيم،  في مجلة "المؤرخ المصري" عدد يوليو 2022)، فضلاً عن أن إنشاء المدارس العسكرية، على ما يورد الحفني في مقدمة كتاب "مؤتمر الموسيقى العربية" سنة  1932، كان ابتداءً من سنة 1824 م. أي بعد أربع سنوات على زيارة شاكر الدمشقي (والشيخ شهاب يشير إلى "سنة" زيارته تحديداً، دون أن يورد ما يفيد أن شاكراً أقام إقامة مطولة). فلو كانت هذه الأوراق التي يشير إليها حقيقة موجودة وكان فهمه لها صحيحاً لتوجب عنه مراجعة كل هذه المعلومات التي تعتبر اليوم أكيدة.

وفي هذا التعجل نفسه، قد نرى سبباً لإشارات الباحث إلى انتشار موشحات من كتابة الشيخ الشهاب، كلاماً ولحناً (ص. 723)، بينما لا يقدم إلا نموذجاً واحداً على موشح لا زال موجوداً بكلمات الشيخ (وبلحن مغاير على الأغلب لما وضع الشيخ على "قده")، وذلك مع الإشارة إلى أن الشهاب لا يشير في أي موضع إلى أنه كان ملحناً، وهو لم يضع أي موشح مما ذكره في سفينته إلا على قد ألحان معروفة أو معارضة لموشحات معروفة اللحن لديه.

والحق إن ضعف الدقة في التوثيق وفي ذكر المراجع يجعل من شبه المستحيل البناء على هذا الجهد البحثي لجهة مراجعة المصادر والتدقيق في صحة النقل وجودة الفهم واختيار الاقتباس، ومن ثم إدراجها في إطار بحثي أوسع على ما يفترض.

كذلك لجهة التأريخ، يخطئ الباحث مثلاً في شأن "سفينة الفوي" ويفترض قدمها، وأن صاحبها (وهو في ترجيحنا مالكها وليس مؤلفها اذ يكتب في الصفحة الأخيرة منها: "هذي ملك الفقير إلا (كذا) الله الراجي عفو ربه السيد حسن بن السيد احمد الفوي عفا الله عنه وسامحه):  "يبدو من أدباء القرن الثالث عشر الهجري، الثامن عشر الميلادي" (ص. 695، بينما يورد اسمه أحياناً على انه "شهاب الدين الفوي" في ثبت المراجع، وأنه "الفاوي" ص. 683). غير أن التدقيق فيها سيقود إلى ملاحظة أن كاتبها ناقل كثيراً عن سفينة الشيخ الشهاب نفسه ويترحم عليه، بل هو يورد أشعاراً له، ونرى في الهامش رقم صفحتها في السفينة المطبوعة، كقصيدة "أعبير سرى أم نفحة آس" ، (فضلاً عن إشارات أخرى إلى أدباء من القرن الرابع عشر للهجرة، مثل عبد الله بن أحمد شلهوب، فالأرجح أن السفينة من نهايات القرن التاسع عشر أو مطلع القرن العشرين).

ولجهة التأريخ أيضاً يخطئ الباحث في حياة شمس الدين الصيداوي (فيقول إنه عاش في القرن السادس عشر ميلادي ص. 719) غير إن الحقيقة إنه توفي مطلع القرن السادس عشر على الأرجح (حوالي 1504 م. بحسب دراسة د. أنس غراب عنه وعن مخطوطه). وكذلك، يسهو فلا يصحح شغل عمر كحالة الدمشقي (الذي ينقل عنه ص. 313 أن الصيداوي كان في القرن السابع عشر ميلادي)، وبناء عليه يورد اسم مؤلف الصيداوي الموسيقي مرتين بصيغتين مختلفتين ("جواهر النظام في معرفة الأنغام" على ما يورد ص. 313، وهو عنوان أرجوزة للاربلي منتصف القرن الرابع عشر ميلادي، والأصح أن تنسب إلى الصيداوي مخطوطة "الانعام في معرفة الأنغام" على ما يورد الباحث ص. 802). وعلى سيرة الصيداوي أيضاً، يحسب الباحث أن الصيداوي ربما أنشأ عمله "اعتراضاً على النظرية المعقدة الناشئة آنذاك في بلاط آل عثمان" (ص. 719). وهذا الحسبان منافٍ للتاريخ، ففي حياة الصيداوي (المتوفى تقريباً سنة 1504 م.)، لم يكن من نظرية معقدة ناشئة في مطلع عهد الامبراطورية، والكتب التي يشير إليها البعض في تركيا انها "أناضولية" مثل كتابات اللاذقي وخضر بن عبد الله، كانت على الأرجح تنقل مفاهيم الموسيقى في المنطقة العربية في تلك الفترة (أواسط ونهايات القرن الخامس عشر) إلى العثمانيين، أما التعقيد النظري العثماني فلاحق جداً إذ لا يبدو أنه بدأ قبل نهايات القرن السابع عشر بحسب دراسات فيلدمان وغيره.

كما يخطئ الباحث إن كان ظن (ص. 700) أن النظرية الأقدم (الأصول والفروع والأوازات والشعب) التي ترد في كتاب "الشجرة ذات الأكمام" مثلاً تدل على درجات السلم وأبعاده. إذ يتجلى مما نعرف أنه أسبق منه، مثل ارجوزة الأربلي ورسالة الصفدي وعمل الصيداوي «الانعام في معرفة الأنغام"، بل من نص "الشجرة" نفسه، ص. 52 وما يليها من النسخة المحققة سنة 1983، أن المقصود بها أجناس أو أنغام ضيقة المساحة أحياناً وليس مجرد درجات. ويخطئ في الظن خصوصاً بأن هذه "الشجرة" تصلح مرجعاً لتفسير ما ورد لدى الشيخ الشهاب، مفترضاً أنها تحتوي النظرية التي كانت في مصر مطلع القرن التاسع عشر نظراً لاحتمال أن يكون فيوتو (وهو يكتب اسمه فيلوتو، مثلاً ص. 31) قد اعتمد عليها في "وصف مصر" على ما يقول محققو كتاب "الشجرة ذات الأكمام". والواقع إننا لا نعلم بالضبط تاريخ "الشجرة ذات الأكمام" إلا أن مضمونها يشير إلى كونها غالباً من مطلع أو منتصف القرن السابع عشر، أي قبل الشهاب بقرنين تقريباً لا القرن الثامن عشر بخلاف ما حسب محققوها أيضاً، بدليل انتماء لغتها ومصطلحاتها إلى عوالم أقدم من سفائن ومخطوطات كثيرة وردتنا من القرن الثامن عشر. فهي أقدم مثلاً في مسألة تقسيم الأنغام من "راح الجام" لعسكر الحنفي الحلبي ونسختها بباريس (حوالي 1672 م.)، وأقدم كذلك من المقاربة الإيقاعية الواردة عند ناصر العودي الحلبي (أواخر القرن 16 أو أوائل القرن 17 م. غالباً) كما يتبدى من النسخة المحفوظة في مكتبة جامعة الملك سعود بالسعودية، وكلتاهما متاحة على الانترنت.

أيضاً يفترض الباحث، المناهض لتطبيق النظرية العثمانية المعقدة عندنا كما يقول تكراراً، أن الأتراك في القرن التاسع عشر، بسبب تأثرهم بأوروبا، هم من كان وراء قسمة السلم العربي إلى أربعة وعشرين قسماً متساوياً. ذلك في حين أن المنظرين الأتراك مثل رؤوف يكته كانوا دائماً ضد ادعاء مساواة القسمة (مثلاً في مطالعاته حول المؤتمر ص. 9)، وفي حين أن المثال الأوحد الذي يقدمه الباحث على ذلك يناقضه. فهو يستشهد (ص. 702) برواية ميخائيل مشاقة عن نقاش جرى بين أستاذ مشاقة، محمد العطار، وبين رجل قد يكون تركياً (عبد الله أفندي مهردار)، يدافع فيه العطار عن قسمة الأربعة والعشرين بينما المعترض على ذلك هو التركي! هذا مع العلم أن مشاقة يفترض اربعة وعشرين جزءاً غير متساوين، بينما يقترح الشهاب ثمانية وعشرين على أية حال.

ومن هذا القبيل أيضاً في التعجل والابتسار، عرض الباحث لقالب البشرف (ص. 693) على أنه "عمل آلي، لا غناء فيه، استحدث في بلاط حاضرة دولة بني عثمان". بينما تاريخ البشرف أعقد من ذلك بكثير، بخاصة إذا ما لاحظنا تعدد أشكال الإشارة إليه (بشرف، بشرو، بيشرو، بيشر، بيش رو، بشراو، مشرف...الخ)، ولاحظنا وجود بشارف غنائية على سبيل المثال في سفينة الكبيسي التي يرجع تاريخها إلى سنة 1785 م. (وهذا البشارف الغنائية هي على الأرجح ما يشير إليه الشهاب في سفينته على أنها "مربوطة بكلام" من أنشأها وإن كانت تعد فارغة ـ أي فارغة من المعنى ـ بالنسبة إلينا، لأن الشهاب لم يكن يتصور موسيقى غير "مربوطة بكلام" أي مغناه في الاصل). والباحث قد اطلع على سفينة الكبيسي بحسب قوله (وإن لم يقارن بينها وبين سفينة الشهاب مطلقاً). فكان يجدر به أن يعرف أن للبشرف صيغاً ومسميات عديدة ومختلفة، فضلاً عن أن تاريخه سابق على الامبراطورية العثمانية نفسها.

هذه إِشارات سريعة إلى أغلاط يمكن تصحيحها بسهولة ببعض التأني والتدقيق. وقد يكون من قبيل ذلك أيضاً الأخطاء في التحليل التي يقع فيها الباحث أحياناً، كاعتباره في الجدول مثلاً أن لموشح "طاف بالأقداح" خانة من الشوري (وهو يبني تعليقه على ذلك) في حين أن الموشح لا خانة له بنص سفينة الشهاب، وأن "حركة" الشوري هي مجرد حلية شأنها شأن الحلى اللحنية الكثيرة في موشحات أخرى لم يجد الباحث ضرورة لاعتبارها تستوجب تغيير التصنيف أو بنية العمل. ومن هذا القبيل أيضاً ظنه بأن تسجيل الشيخ درويش الحريري لموشح "زارني باهي المحيا" نموذج على أداء "موشح كامل" (أي ببنيته الكاملة، والشائع أن تكون تتألف هذه البنية من لحن المطلع، أي البدنية أو الدور الأول، ويتكرر مرة ثانية بلفظ آخر، ثم لحن الخانة ثم عودة إلى لحن المطلع). وذلك لأن طول تسجيل الموشح (وجهان كاملان لأسطوانة) قد خدعه على الأرجح. غير أن التسجيل في الواقع لا يختلف عن معظم تسجيلات الشيخ فهو، إذا ما رجعنا إلى نص الموشح في السفينة، لا يشمل إلا بدنية واحدة والبيت الأول من الخانة دون أي تكرار، ومن النادر أن يكرر الشيخ الحاناً حيث إن الهدف من تسجيلاته كان التوثيق واستغلال المساحة لتسجيل أكبر قدر ممكن من الأعمال.

يظل اعتراض أساسي في تقديرنا على هذا العمل، يتعلق بمنهجية الشطر الثاني منه، إذا ما اعتبرنا أن شطره الأول هو توثيق وتحقيق نص السفينة، وردّ ما ورد فيها من موشحات وقصائد وشواهد إلى أصحابها (مع قدر كبير من الأخطاء التي تستوجب المراجعة). ففي الشطر الثاني من العمل الذي يسميه "استدراكات وملاحظات" على الشيخ الشهاب نجد على ما نظن اسقاطاً لنظريات الباحث نفسه على الشيخ، ومن ثم لومه على أشياء لا يلام عليها، فضلاً عن نسبة هذه النظريات إلى مشايخ متوفين لم يتركوا ما يثبت دقة ما قد يكون قد سمعه في الطفولة قبل حتى أن يبلغ المراهقة (فهو يذكر، ص. 44، أنه قرأ في رحاب المقام الأحمدي صيف 1986 أي حين كان عمره ثلاث سنوات. كما يورد، ص. 771، أن أحد مرجعيه في مسألة المقامات هو الشيخ محمد عمران، المتوفى سنة 1994 حين كان الباحث لا يزال تقريباً في الحادية عشر من العمر). يضاف إلى كل ذلك كون الباحث نفسه يضيف إلى هذه النظريات نظريات عثمانية (في سير المقامات وفي الإيقاعات) بنص كلامه هو، إذ يورد (ص. 771) أنه سيتناول مقامات فرعية و"تراكيب عثمانية" وكذلك "الضروب المركبة العثمانية"، إلا أنه لا يوضح متى يخرج من مجال لآخر، ولا ما الداعي إلى افتراض أن الشيخ الشهاب يتناول مثل هذه المسائل من وجهة نظر عثمانية وليس من وجهة نظر محلية ينبغي استنتاجها بالاستماع إلى ما وصلنا.

هذا الخلط المنهجي يستتبع ضرورة ليّ عنق نص الشهاب نفسه ليوافق ما في نفس الباحث، وافتراض ما لا داعي لافتراضه فيه (كالقول بأن النظرية العثمانية الجديدة "لم ترق" للشيخ ص. 30). فعلى سبيل المثال يستغرب الباحث (ص. 31 ثم ص. 696) أن الشهاب "لم يقسم الضروب على التفاعيل" وأنه "يتجاهل" أن أصل الإيقاعات تفاعيل اللغة، ثم يقول إن الشهاب "تذكر" ذلك في المجذاف العاشر من قطيرته (والقطيرة قارب صغير ملحق بسفينة الشهاب، في استكمال لتشبيه الكتاب بالسفينة المحملة بالذخائر). غير أن التدقيق في هذا الأمر يوضح أن لا غرابة في ذلك على الإطلاق، إذ إذ أن التمثيل على الإيقاع بتفاعيل العروض اختفى من المخطوطات العربية من قبل الشهاب بثلاثة قرون على الأقل، ولو كان ذلك جزءًا من منهج المشايخ لكان أحدهم قد كتبه وأشار إليه! أما لو اعتبرنا أن ذكر الدم والتك (وقبلها الطاع والدي) وعدّ الإيقاع بصورةٍ كميةٍ هو بالضرورة اتباع النظرية العثمانية (وهذا فهم قاصر عن ملاحظة تطور "تمثيل الإيقاع" عندنا وقد أفردنا له مقالة سابقة) فهذا سيعيدنا قرنين قبل الشهاب على الأقل لأن دخول هذا الأسلوب إلينا لا بد سابق على مخطوط "راح الجام " (1672م.)، بل على مخطوطة ناصر العودي الحلبي (أواخر القرن 16 أو أوائل القرن 17، ويستعمل فيها الطاع والدي، بل إن ابن زيلة المتوفى منتصف القرن الحادي عشر للميلاد كان يقارب الايقاعات مقاربة كميةً أيضاً).

أما نص الشهاب في المجذاف العاشر (ص. 658) فهو يقول في الأصناف التي يتفرع إليها علم النغم: "الأول معرفة النقرات وكيفية تألف الأصوات منها، وهي كالأسباب والأوتاد في علم العروض". أي إن الشهاب ، الذي ينقل هنا مضمون نصه غالباً إن لم يكن كلماته نفسها من مصادر سابقة، يذكر النقرات وهي قد تشير إلى نقرات الأنغام (لا إلى نقرات الإيقاع حصراً) بحيث يتألف منها "الصوت" (وقد يعني الغناء أو قد يكون أصل الإشارة الأقدم إلى قالب "الصوت" العباسي ). ولا يعرض الشهاب هنا للإيقاع الذي يذكره تالياً دون إشارة إلى العروض: "الثاني: علم الإيقاع، وهو تنزيل الأصوات والنغمات على الآلات بطرق الضرب"، وإلا صار التمييز بين فرعي علم النغم لغواً. أما تشبيه مكونات الصوت بتكوين الأوتاد والأسباب للعروض، فلا يعني بالضرورة أن علينا تمثيل الإيقاعات بالعروض ولا أن الشهاب كان يقوم بذلك، بل هو كالقول بأن الأشكال الهندسية تتكون من خطوط ونقاط وما أشبه، أو بأن الخطّ يتكون من أشكال الحروف، أي إنه تشبيه لا مماهاة. ومن هنا فإننا نحسب أن لا مجال مطلقاً ، أياً يكن تأويلنا لما ورد في مطلع المجذاف العاشر من السفينة، لاستنتاج ما يورده الباحث من أن سفينة الشهاب  "تربط تفاعيل اللغة والعروض بالإيقاع" (في "ملخص البحث").

هذا الخلط المنهجي أيضاً، بين ما أراده الشهاب وبين نظريات الباحث نفسه، يضبّب رؤية الشهاب الأصلية. ففي حين إن الشهاب لا يفرّع المقامات وتظل عنده محصورة العدد جداً، يضيف الباحث من تلقاء ذاته مقامات إضافية يستقيها من التنظير العثماني مثل الشوقنما والشوري البسته نكار (ولا ندري لماذا يضيف هذه الثلاثة ويتعفف عن إضافة أخريات يذكرها، "اتباعاً لنهج الشيخ شهاب في التبسيط"، ص. 767) ويزيدها بلا داعٍ على تصنيف الشهاب. وبدلاً من ملاحظة ورود العشاق أصلاً في تسجيلات درويش الحريري مثل موشح "بدت من الخدر" الوارد في وصلة العشاق والذي شاع لاحقا بعد تحويله إلى مقام البياتي، وتالياً افتراض أن موشح "يا مخجل الأقمار" الوارد في الوصلة نفسها يمكن أن ينطبق عليه الأمر نفسه، يعتبر الباحث (ص. 332) أن الشهاب يخلط بين العشاق المصري وبين العشاق التركي والبون كبير بينهما، ولا داعي لافتراض مثل هذا الخلط في وصلة واحدة مطلقاً، فموشحاتها بوضوح كانت جميعاً من العشاق وإن نقل بعضها لاحقاً إلى البياتي (الذي يشبه العشاق التركي).

وبدلاً من أن يقوم بتحليل المقامات والإيقاعات بناء على ما وصل إلينا من تسجيلات الموشحات، أي بناء على الممارسة نفسها، فإنه يسقط عليها تنظيرات غير متطابقة مع تحليلها الدقيق (مثلاً تحليله لمقام الحسيني، ص. 796 بكونه جنساً ـ أو مظهراً باصطلاحه ـ من الدوكاه، أي ما يسميه أغلب الناس البياتي، على درجة الحسيني ثم نفس الجنس على درجة المحير ثم الختام بنفس الجنس على درجة الدوكاه. هذا التحليل لا ينطبق على كثير من موشحات الحسيني نفسها مثل "قل لمعشوق الطباع" و"أفدي ثملاً" و"إن يكن ساقي المدامة" ). وكذلك في الإيقاعات يضيف الباحث تعريفات مستقاة من إيقاعات تركية عثمانية بدل القبول بفقد ما فقد منها في الممارسة، لأن ليس لدينا ما يسمح بافتراض مثل هذا التطابق بين الممارسة العثمانية والممارسة المصرية آنذاك بل الأدلة أكثر على افتراقهما.

أخيراً، يعتمد الباحث كثيراً على إطلاق نظرياته بدون أسانيد، بنسبتها إلى فهمه الخاص (دون حجج) كما في مسألة تركيب الموشح وبنيته (ص.687) فيقدم عرضه لهذه المسألة بمصطلحاته وآرائه (وبعضها لا نجد عليه حتى الآن أدلة مسموعة تدعم رأيه، ولا هو يعطينا نماذج عليها، كما في شأن مسألة إعادة الترنم، ص. 689)، بدل الانطلاق من المسموع والمكتوب وشرح مفردات واردة في السفينة مثل الخانة والسلسلة والدولاب، ومحاولة فهم سبب اختلافها (وهو لا يوضح التمييز بينها معتبراً أنها جميعاً "لحن فرعي" بتصنيفه). وكذلك في مسألة رؤيته لأصول الموشح (بينما كان لينتهي إلى نتائج مغايرة إذا حرص على التدقيق في مخطوطات أقدم، مثل رسالة السيلكوني وكتب ومخطوطات القرن الثامن عشر).

أو ينسبها الباحث إلى مشايخه (ص. 771)، دون أن يوضح لنا الحد الفاصل بين ما فهمه منه وبين نظريته الخاصة. مثلاً هل بالفعل درسه مشايخه إيقاعات مثل الثقيل والخفيف، وهي مفقودة في مصر من زمن طويل، وهل فعلوا ذلك باستعمال التفعيلات العروضية حقاً (مثلاً شرح ضرب الفاخت أنه مفعوفاعل مفعومفعو مفعولاتن مفعُفاعلن مفعولاتن، ص. 790)؟ وهل كانوا حقاً يستعملون في شأن الإيقاع تفعيلات عروضية بأسماء مثل الفاصلة الكبرى المفروقة أو الفاصلة الصغرى المركبة أو سوى ذلك من تفاعيل قد يكون لأبسطها ثلاث احتمالات مختلفة؟ فبحسب الباحث فإن "الوتد المفروق" يمكن أن يكون "تم اس تك أو تم اس تم أو تك اس تك "، ص. 777. أم أن كل ذلك هو من نظرياته الحديثة وتصنيفه الخاص؟ وهل حقاً سمع عليهم في صباه (وقد أوردنا أنه كان ابن احدى عشرة سنة حين توفى الشيخ محمد عمران) عمل "عقدة الصيداوي" وإن كان ذلك فعلاً فلماذا أخطأ فيها في تسجيله حلقة "الموشح" في برنامج "روضة البلابل" (على موقع مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربي)، واعتبر أن عقدة الصيداوي هي موشح "العيون الكواسر"؟ وهل سجل أحدهم هذه "العقدة"، أو أجزاء منها وهي محفوظة على ما يقول، ولو في جلسة خاصة وهل وصلت إلينا معلومات عن لحنها أو معرفتهم به من طريق غير طريق الباحث نفسه (وهو ايضاً لم يسجلها على ما نعلم)؟

يغلب علينا الظن بأن هذه النظرية التي ينسبها إلى "منهج المشايخ" (وهو لا يوضح هل يقصد منهج أساتذته المباشرين، أم يقصد منهجاً تاريخياً يحسبه على المشايخ ويستخلصه هو شخصيا من كل ما تعلمه مفترضاً اختلاف هذا المنهج عن "الأفندية" في زمن غير معلوم ومفترضاً تواصل هذا المنهج من أيام "الشجرة ذات الأكمام" أو حتى قبل ذلك على ما نلاحظ من أخذه بمسألة أنواع المظاهر والأجناس المعتدل والقوي الخ، عن كتب الفلاسفة المتأثرين باليونان كالفارابي وابن سينا، وهي ليست في رأينا من مصطلحات المنشدين)، إنما هي نظرية الباحث نفسه مما استنتج وابتكر انطلاقاً من مختلف مصادر تعليمه.

فإما أنه لم يوضح ذلك في نصه (فما يعرضه إذن ليس "منهج المشايخ" بخلاف تأكيداته المتكررة)، أو أنه ربما يحسب بالفعل أنها المنهج الذي كان عليه المشايخ من قبله، أو حتى من قبل الشهاب المتوفى قبل يومنا هذا بأكثر من قرن ونصف، بل هي ما كان عليه النهج قبل الشهاب بقرنين، وهو ما لدينا شك عظيم في شأنه.

بل هو يجعل من النظرية التركية ـ وهو يقول إنه مناهض لتطبيقها عندنا ـ حاكمة على نص الشهاب. فيضيف مقامات مثل الشوقنما وهو غير وارد كما ذكرنا، ويشرح المقامات شرحاً يتبع نظرية "السير" المقامي بدل تحليل الموشحات وفهم المقامات من خلال الممارسة العملية وهي، في رأينا، ليست تتبع سيراً محددا بنفس المنطق العثماني المتأخر. وقد ذكرنا موشحات الحسيني، وقد نضيف مثلاً الراست، الذي يورده ص. 786 على أنه جنس ـ أو مظهر باصطلاحه ـ من الراست على الدرجتين الأولى ثم الخامسة، فالغالبية العظمى مما وصلنا من موشحات قديمة على هذا المقام لا يرد فيها جنس الراست من الدرجة الخامسة مثل "ريم فلا" و"أيها المعرض"، و"يا هلالا" و"أفديك ظبياً ابتسم" و"أفدي ثملاً" وسواها. وتحليل لماذا يدرج الشهاب كل هذه الموشحات تحت اسم الراست رغم تنوع مساراتها وتعددها هو ما ينبغي أن يدلنا على المسمى الحقيقي ونظرة الشيخ شهاب الدين إليه، وليس فرض تنظير مخالف لتصنيف الشهاب نفسه على سفينته.

ونحن وإن كنا لا نود هنا مناقشة بعض الخلاصات التي يقفز إليها الباحث في الخاتمة، فإننا قد نوجز اعتراضنا الرئيسي في الإشارة إلى عدم وفائه بعنوان بحثه. إذ يعنون بحثه "الموشح وموسيقى المقام الناطقة بالعربية بين التنظير والمراس". إلا أنه في الواقع يهمل تأريخ الموشح المغنى الوارد في السفينة، بخاصة لإهماله أطر الحياة الثقافية والموسيقية والسفن في القرن الثامن عشر السابق مباشرة على الممارسة التي حفظ لنا الشهاب بعضاً منها، وباستثناء جداول التسجيلات فإنه لا يعير اهتماماً للمراس الموشحاتي، أي لحقيقة أداء هذه الموشحات كما سجلتها لنا الأسطوانات ومنطق بنائها وتصنيفها وفقاً له. بل يسقط عليها نظريتين في المقامات والايقاعات دون أن يورد تحليلاً واحداً مفصلاً لأداء موشحٍ يتيم على الأقل. والأولى كان في بحث المراس دراسة التسجيلات ذاتها لا حشرها بين توثيق النص وبين التنظير.

ونرى أنه كان من الأولى أن يقوم في محلٍ آخر بتسجيل ما أخذه عن مشايخه، فاصلاً بينها وبين نظرياته الخاصة، وبين كل ذلك وبين ما قد يمكن استخلاصه من الإنصات الفعلي إلى ما قد سجل من موشحات من سفينة الشهاب.

لا تبتغي هذه الملاحظات، في نهاية الأمر، التقليل من حجم جهود الباحث وفريقه الداعم، لا سيما لجهة الأرقام والجداول التي يدرجها آخر الكتاب وقد ساعده فيها أحمد الخزامي (على بعض الهنات والسهو فيها، مثل نسيان أداء الشيخ درويش الحريري لموشح "ليالي الوصل"، وأخطاء الطباعة وبعض تحليل المقامات. ونرجو في المستقبل أن يضيف إلى الجداول لائحة بأسماء الموشحات مع أرقامها، وكذلك ثبتاً بالأسماء ومواضع ورودها في الكتاب). ففي الدراسة فوائد أكيدة للباحثين، لجهة بعض حالات النسب السليمة لأصحاب القصائد ولناحية الإحصائيات، وأيضاً وخصوصاً إدراك اتساع حجم الأسطوانات المتاحة للبعض ونأمل أن تتاح للجميع قريباً، والتي وصل إليها الباحث بحكم منصبه السابق مديراً لمؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية واتصالاته بعدد من الجامعين والهواة والشيوخ والأمراء ولعله يحثهم على نشرها، ولجهة بعض الأسئلة التي يطرحها نص الشهاب عليه (مثلاً ص. 755) ولا يزال يطرحها علينا. فالشهاب وسفينته لا يزالان لغزاً يستحق جهوداً إضافية ومتضافرة ومتكاملة لفهمه، مقدمةً لاستثمار ما يقدمه في انتاجات معاصرة تثري موسيقانا.