عن منشورات دار النهضة العربيّة في بيروت (2024)، صدرت المجموعة الشعريّة الأولى باللغة العربية للشاعر الفلسطينيّ الشّاب مصعب أبو توهة. هذه هي المجموعة الشعريّة الأولى التي يُطلقها الشاعر باللغة العرببّة، وكان قد صدر له كتابٌ شعريّ باللغة الانجليزية قبل ذلك عن منشورات سيتي لايتس الأمريكية، بعنوان "أشياء قد تجدها مخبّأةً في أذني (والذي حصد جائزةَ الإبداع ضمن جوائز فلسطين للكتاب، وجوائز أخرى).
في مجموعته الجديدة، ثمّة ثلاثة محاور رئيسيّة تقبض على خيوط القصائد التي تدور في فلكها وتداورها: الذاكرة والزّمن والسيرة الذاتية، ومن خلالها فقط تقرأ الذات نفسها بنفسها، وتدخل في التخييل وأسطرة الواقع وهو في هيئة رُكام.
بين عنونة تتسم بالتنكير والأرقام، ينقسم الكتاب الى قسمين، حيث تظهر في القسم الأول عناوين واضحة لكنّ الكلمات فيها لا تحمل التعريف: ليل، سرقة، انعكاس، ركام، قذيفة، محطة أخيرة وغيرها. أما القسم الثاني فيعتمدُ على طريقة العنونة بالأرقام الرومانيّة.
وفي التزام الوضوح تأكيدٌ على التزام حدود اللغة في نقلها ما يحدث في هذه اللحظات للمكان الفلسطينيّ المنكوب أيضًا زمنًا وسيرةً. وهذا الاتزام بالوضوح هو إدراكٌ واعٍ لقواعد فتح أفق المعاني للدمار المتكرر على جريان المنطق في الكلام الشعريّ.
هذا الكتاب هو مجموعة من الصّور الشعرية التي تصف شقوقًا واختلالات وقعت بالفعل داخل المكان-الإنسان- الزمن الغزيّ- الفلسطيني وتحاول دون جهدٍ لغويّ بالغ في الربط بين الوجود الخارجي والوجود الداخليّ للعالم الفلسطينيّ وذاكرته متعددة النكبات، ان تعيد وصف المكان بصفته اسطورة عبر خيط السيرة الذاتية.
نقرأ من المجموعة:
ركام
لا مكان أجلس عليه سوى الحجارة.
قَدَمُ الكرسيِّ المكسورِ تحت سقف بيتنا
لن تستطيع المشي بعد اليوم.
شباك غرفتي الصغير لن تدخله أشعة الشمس،
بل سيزحف خيط الظلام السميك
من خلاله نحو فنجان قهوتي المسكوب
على فستانٍ تحت الركام.
على ذراعي،
يركض الوقت للوراء،
يتعثر بصدأ في عقارب الساعة،
يتذكر أعشاشاً بنتها الحجارة
قبل أن تتكسر في مرايا الرصاص.
قذيفة
سقطت قذيفة
حفرت في الأرض جرحاً طوله خمسين ألف شظية
خدشت بصوتها ملابس الأشجار
وتركت آثار أنياب أظفارها الساخنة
على بيت الجيران
**
ها هم يطوون أحلامهم بأوراق الجرائد،
يأخذونها معهم إلى المحراب،
يصلون صلاة الخوف
تحفّهم تمتمات عظامهم المرتعشة،
يدفعهم صوت الصمت إلى الكلام
فلا يكون سوى اصطكاك أسنانهم الصفراء
تحت سقف ملَّ من القيام.