منصور الهبر في "الجمال السّلبي": عجزنا عن تخليد من أحببنا
23-03-26
بلال خبيز
ما الذي يدفع منصور الهبر إلى كسر أصابعه الحاذقة؟ ما الذي يجبره على تمزيق ما خطته يداه ولونته وتحويل ما يراه إلى فوضى ألوان؟
أزعم أنني لو كنت في مكانه وأملك مهارته لكنت فعلت الشيء نفسه. منصور الهبر يمزق ما أريد أنا نفسي تمزيقه. ويريد أيضا أن يعرض التمزيق الذي جنته يداه لا اللوحة التي تستطيع أصابعه أن تنجزها. أنا أيضا ولأسباب لا تحصى، وقد يكون بعضها لا يوافق مزاج منصور، أريد تمزيق ما أنجزته والهيام الكلي في عالم من الشظايا التي لا نهاية لها. لم يعد أي منا كلا. أنا الذي أعيش على حافة الكرة الأرضية وهو الذي يعيش في قلب هولها. نحن أنفسنا بتنا أجزاء من أنفسنا. كم مهارة أجبرتني التقنيات الحديثة على التخلي عنها والخجل منها؟ كم حياة قصفت أمام عيني منصور أو على سمعه، وكانت تستحق أن تخلد ملامحها بلوحة؟
في هذه المعمعة المجنونة نحن صنوان. لا يهم أنني أشاهد كل يوم من الفنون وصنوفها ما يجعلني أفكر مليا إذا كان هؤلاء الفنانون الذين يعرضون في هذه المدينة البعيدة عن الأرض وهمومها ما زالوا يعيشون بيننا أم غادرونا إلى مجرات أخرى، مثلما لا يهم أن منصور الهبر من جهته لا يستطيع أن يدعي أن لوحة ما من اللوحات أو صورة بوسعها أن تخلد شهيدا، أو تمنع محبوبا من أن يأكله النسيان، ما دام الجميع في تلك البقعة من العالم مرشحين لأن يصبحوا شهداء أو منسيين، حتى التراب نفسه في تلك البقعة من العالم بات مهددا بأن يترك ويهمل ليتحول على نحو ما إلى فوضى لا يمكن هندستها.
حسنا، الرسم في نهاية الأمر هندسة. وهو أول مفاتيح الحداثة التي لم تنجب غير مهندسين وبساتنة. الحداثة لا تحب الفوضى، كل ما فيها يقاس بدقة شديدة، حتى القتلى أو الذين يتعرضون للإبادة يتم إحصاء أعدادهم جيدا قبل دفعهم إلى السجون -القبور أو إلى أفران الغاز أو المحارق أو المقابر التي تصنعها لهم الطائرات. لكن المرء وهو يعيش في بلد كلبنان لا بد سيكتشف أن الحداثة تهجر هذا البلد رويدا رويدا، وتعيد تحويله إلى طبيعة غاشمة. اللبناني بات مجبرا على الانحناء وإعادة تفعيل حاسة الشم لديه، ذلك أنه لم يعد قادرا على المضي قدما. معظم القاطنين هناك أو كلهم ربما، لم يعد مسموحا لهم بالسعي. السعي الذي يميز البشري عن الحيوان. باتوا يقيمون في قاعة الانتظار، وبعضهم قد يبلغ به اليأس مبلغا ويتحول إلى مفترس كذئب.
من جهتي، في هذه المدينة التي تدير ظهرها للعالم، أحسب أن الناس فيها لم تعد ترى. إذا، ما الموجب الذي يدفع أي مقيم فيها لرسم وجه؟ لا أحد يرى في هذه المدينة، وأساسا ليس ثمة مكان يمكن أن يتواصل فيه الناس على سجيتهم. كل المقيمين هنا يعيشون في شققهم كسجناء. يعملون ويكدسون ثروات، لكنهم ينتظرون لحظة الخروج من هذا السجن إلى التقاعد الكسول أو الموت المبكر.
لكن منصور يسمي معرضه "الجمال السلبي" وأحسب أنه مخطئ في التسمية. قد يكون الأنسب أن يطلق على معرضه تسمية من قبيل: في تذكر من اختفى من هذه اللوحات. ذلك أن ما يدعوه جمالا هو أقرب إلى إعلان الحب. حب المرء لأبيه العاجز، أبوه الذي لم يعد قابلا للوصف بأنه حي ونابض ويسعى. لذلك نقول عنه إنه كان: عاشقا، شجاعا، غنيا، حنونا إلخ... كائنات منصور الهبر الغائبة هي تلك التي أحببناها وباتت الآن عاجزة. لكن أخشى ما أخشاه، ويخشاه منصور على الأرجح، أن يكون كل من حولنا قد أصبحوا عاجزين بمن فيهم أنا وهو وقارئ هذه المقالة.
إشترك بالنشرة الشعريّة
مقترحات